Saturday, 23 April 2016

تأبينى لوالدى رحمه الله ونيح روحه ..

 تأبين صديقى لوالده


ديانا أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 4865 - 2015 / 7 / 13 - 17:54
المحور: الادب والفن
   


بعد صمت ستة أشهر بعد وفاة والده ، قرر صديقى وأخى أحمد حسن محمد أحمد المعروف باسم سمسم المسمسم على الفيسبوك ، قرر الحديث عن والده الحبيب ، وخصنى بهذا التأبين وأفاض به وأسر به لى قبل أى أحد آخر وقبل أن ينشره على الناس على صفحته على الفيسبوك بعد عدة أيام من الآن ، ولأنى أفهم مشاعره أحببت أن أشرككم معى فى الإطلاع على كلماته الرائعة بحق والده ، وهنا أنقل نص ما كتب :



فى السابعة مساء - بعد أذان العشاء - من يوم الأربعاء الموافق السابع من يناير/كانون الثانى من عام ألفين وخمسة عشر ميلادية ، كان يوما حزينا أسود علىَّ ، وبداية لعام حزن وعام سواد ومرض وموت على العالم وعلىَّ وعلى أسرتى ، يوم وفاة والدى الحبيب حسن محمد أحمد عن عمر ناهز سبعة وسبعين عاماً وعدة أشهر. ماذا أكتب فى رجل مكافح كل حياته كفاح مستمر منذ يوم ولادته حتى يوم وفاته ، حياة حافلة ، رجل صبور متحمل ، أب عطوف مثالى له ومن أجله أتعجب وأستاء ممن يحتفلون بعيد الأم فقط ولا يحتفلون بعيد الأب ، يمدحون أمهاتهم ويتجاهلون آباءهم ويعظمون أمهاتهم فوق آبائهم ، يصورون أمهاتهم وزوجاتهم وكأنهم ملائكة تمشى على الأرض ، بينما يصورون آباءهم شياطين رجيمة أفضل شئ لها أن يتم تجاهل ذكرها وإغفال مدحها . كلهم يحب أمه أكثر من أبيه ، ويحاول التأكيد على ذلك بحديث أعوج يذكر الأم ثلاث مرات والأب مرة واحدة. وهو ما يتعارض مع القرآن نفسه الذى يوصى بالوالدين معاً ولا يوصى بأحدهما فقط .. ولا يمنح الحمل والولادة والرضاعة للأم الفضل على الأب إن كانت قاسية أو متسلطة أو أهملت واجباتها كأم خلال بقية حياة ابنها أو ابنتها .



إنه رجل ظلمه أبناؤه الآخرون الذين أنكروا كل أفضاله عليهم حتى جعل منهم أطباء بشريين متخرجين من جامعة القاهرة وكلية طب القصر العينى ، كونه رفض اختياراتهم السيئة فى الزواج ولم يرض عنها وكان يتمنى لهم هو وأمى زوجات جامعيات ومن أسر متماسكة جامعية مثقفة علمانية ومن أحياء جيدة مثل حينا ومن الطبقة المتوسطة، رجل دللهم ودللنى ، وحيث إنى كنت الأصغر والأخير وآخر العنقود كما يسموننى ، وكانوا قد كبروا وتزوجوا ، فشعرتُ وتنعمتُ فى جنة اسمها "والدى الحبيب" ، وجوده فى حد ذاته كان جنة ، جنة عشتُ فيها لثلاث وثلاثين سنة كاملة من حياتى مرت كالحلم الجميل ، فردوس حقيقى صنعه الله لى وجعل فيه ملاكاً عظيماً بل أعظم من ملاك هو والدى ، والدى هذا الخالق هذا الإله ، والدى الحنون المعطاء الذى كان يخدمنى مجاناً ودون مقابل وليس كخادم ولا زوجة يريدان مقابلاً مادياً أو معنوياً أو زوجة تلهبنى بسياط لسانها وطباعها السيئة وتملكها ومحاولاتها تشكيلى على مزاجها وتفرض علىَّ أوضاعاً لا تعجبنى فى المنزل والأثاث والطعام والإنجاب والأذواق والتدين وشتى مناحى الحياة. حقاً شياطين خلقن لنا. وكان يتحمل طباعى وطلباتى ولم يسئ إلىَّ يوماً بكلمة ولا ضربنى يوماً ولا نفذ صبره معى .. علمنى وورثتُ عنه حب الكتب والقراءة والمعرفة والإطلاع .. وحفظتُ - وجدتُ نفسى بعد وفاته أحفظ وأردد أغانيه وحبه لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وحتى نكاته وأمثاله وحكاياته عن نفسه ووالده ووالدته وأجداده وإقامته بالمنصورة والسويس وما عاناه فى طفولته عائلياً والتى حكاها لى كثيراً .. هذا الرجل العظيم والمتواضع والبسيط فى آن واحد والذى ربى أربعة أبناء ذكور أحسن تربية فكانوا مؤدبين وطيبين وخجولين مبدعين نحتاً ورسماً وكتابة وموسيقى وكلهم تخرجوا بشهادات جامعية من كليات جامعة القاهرة من طب إلى تجارة إلى آداب .. أحتفظ بنظارته عندى وأردد كلمات قصيدة "أبى" العظيمة للشاعر العظيم نزار قبانى فكأنها عن والدى الحبيب الحى أبداً ودائماً الغائب لعذر لا حيلة له فيه ولا حيلة لى فيه.. أبى الحبيب المولود بالمنصورة فى التاسع عشر من مايو/أيار من عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين والمتوفى بالحلمية الجديدة بالقاهرة فى السابع من يناير/كانون الثانى من عام ألفين وخمسة عشر .. وأحتفظ بمكتبته العامرة فيها رائحته وخطه الجميل وأوراق ومجلات وصحف كانت لا يخلو منها منزلنا خلال حياته .. منزل رجل مثقف مطلع ، سياسى وطنى من الطراز الأول يحب السيسى وعبد الناصر حبه الأكبر والأهم ويحب جيش مصر وثورة ثلاثة وعشرين يوليو/تموز عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين ، خريج كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام سبعين ، معلم ومربى أجيال حياته للغة العربية والتربية الدينية، يحب حسين السيد وكامل الشناوى وأحمد خميس، مسلم متنور معتدل علمانى يكره الإخوان والسلفيين وآل سعود وكيانهم السعودى والسادات، يحب البكور ويكره السهر والديجيهات مثلى ، يحب العمل ويكره الكسل فى المنزل والعمل، يحب زراعة الحدائق حيث عمل بمدرسة الدرب الأحمر الثانوية التجارية بنات وحيث سكنا فى مدينة السادس من أكتوبر، لم يطل به العمر ليرانى أختار حبيبة مُسَاكِنة أو زوجة ، وأتعشم لو وفقنى الله لحبيبة وزوجة سورية أسدية علوية علمانية سافرة متبرجة متنورة متحررة جامعية مثقفة راقية ومن أسرة مثقفة علمانية متنورة جامعية من حى راق أن تكون عند حسن ظنه. يحب العجوة بالبيض والفول الحراثى بالأرز.



ربانا على التدين المعتدل اللطيف الصوفى .. تعج كلماته ومكتبته بمؤلفات الفتوحات المكية لمحيى الدين بن عربى ولطائف الإشارات للقشيرى ، ويتكلم عن صاحب اليد الرفاعى الكبير وعن آل البيت وعن الحلاج والبسطامى .. والسيوطى .. ويقرأ ويحب مؤلفات د/طه حسين والعقاد ، ومفاتيح الغيب للرازى وتفسير القرطبى .. واع فى شئون حفظ الملفات الشخصية بالمنزل والمستندات والإيصالات والفواتير ونحو ذلك .. وواع للحياة ومتطلبات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وغسيل .. يعمل فى صمت دون شكوى ولا مَنّ .. ولا يستنكف أن يساعد والدتى المريضة التى تتألم من التهاب أعصاب ساقيها وخشونة ركبتيها ولم تعد تستطيع الحراك كثيراً ولا الخروج ولا نزول سلالم المنزل بعدما كانت نشطة جداً فى شبابها ونضوجها وكانت امرأة عاملة وموظفة ببنك التنمية والائتمان الزراعى بالتحرير - والتى أهداها كتباً رائعة عن فن التريكو والكروشيه وكتاب نظيرة نقولا عن أصول الطهى النظرى والعملى ودليل الأسرة لعديلة عزيز وكانت بفضلها طاهية مصرية ممتازة تصنع كعك العيد وملحقاته والفول المدمس والطعمية والبليلة ومحشى ورق العنب وسائر أطباق المطبخ المصرى المشهورة والمشروبات كالكركديه والمشروبات الساخنة فى المنزل وفنانة فى الأشغال المنزلية تشتغل المكرمية والبلوفرات التريكو ولوحات الكنافاه .. أما أبى فكان فناناً فى تخليل الخيار والليمون والزيتون الأخضر التفاحى ويضعه فى برطمانات كبيرة بالمطبخ يستهلك لشهور.. يساعد والدتى فى مهامها النسائية كالمسح والغسيل غسيل الملابس والصحون ونشر الغسيل فهو الذى كان يرعى والدته خلال نفاسها بعد الولادات أو مرضها ويتولى مهامها عنها .. تزوجا فى عام ألف وتسعمائة واثنين وستين واجتمعا من المنصورة والسويس من أصول دمياطية وصعيدية ورشيدية ليقيما للأبد فى القاهرة العاصمة وعاشا وأولادهما فى كنف عبد الناصر والإيجار المنخفض والتعليم المجانى والإصلاح الزراعى والاشتراكية والوطنية والوعى الوطنى الناصرى والدعم الناصرى للمأكل والمشرب والملبس والمسكن .. ولدا فى عهد فاروق وستالين وروزفلت وهتلر وموسولينى وجورج السادس، قبيل الحرب العالمية الثانية ..



كلماته حين يقرأ لى مقامات السيوطى فى كليتى كلية الآداب قسم التاريخ ، وحين كان يقرأ لى المقررات علىَّ من تاريخ الدولة الفاطمية والدعوة والدولة العباسية والدولة البيزنطية والمماليك والمغرب والأندلس والأمويين والبطالمة والفراعنة والرومان والإغريق وآسيا وأوربا إلخ ، ويأتينى من بين السرايات بالمذكرات والملخصات والمراجعات ، لا تزال ترن فى أذنى ، ولا يزال حضوره حاضراً ، ووجهه ورائحته وملابسه وكتبه وصحفه وخطه وصوته لا يزال يملأ منزلىّ الحلمية الجديدة والحى الثانى عشر المجاورة السادسة بمدينة السادس من أكتوبر ، بل ولا يزال حاضراً على كورنيش النيل وماسبيرو وميدان طلعت حرب والطرق والشوارع التى مشيناها وسرنا وتنزهنا فيها معاً وفى ميدان فودافون .. إنه رجل مكافح أعلم كفاحه وعرقه وتعبه من أجلى ومن أجل إخوتى وأمى ، حين أعرق وأتعب اليوم بعد والدى يعقوب هذا الزمن الذى أحبنى بصدق وضحى من أجل طوال سنوات وعيى على الدنيا معه ، وجلب لى الهررة السيامية الجميلة ، والكتب بأنواعها ومجلات ميكى وميكى جيب دار الهلال وسوبرمان اللبنانى ، كافح من أجلى ودللنى وخدمنى وأراحنى من أعباء كثيرة جدا فى الدنيا ليست الوحدة وحدها بل ومشقات دنيوية كثيرة ، كان نعيماً لى وسط جحيم اسمه الدنيا ، دنيا الأنانية والمادية والتطرف الدينى والتركات والطمع والجشع والحقد بين الإخوة وأقرب الأقربين ، وكان ينصحنى بالرياضة والعمل والزواج والصحة ويمصحنى فى كل شئ ويرافقنى لأزور الطبيب الباطنى أو طبيب الأسنان ، وحين أردته أن يستريح من زيارته لى رفض وقال إنها رسالة لابد أن أتممها لآخر لحظة فى حياتى ، أب عظيم بلا مثيل ولا عوض ، لم يحرمنى من شئ ولا أساء معاملتى ولا ضربنى ولا أهاننى ولا قيد حريتى الطلقة ، كان أبى وصديقى وأخى ووعاء أسرارى ونجيى وخليلى .. كلما شاهدته فى أحلامى يعدنى بالبقاء معى دائماً ومع كل لقاء فى الحلم أشعر بحياته تتجدد وبوجوده معى فى اليقظة والنوم ، وأحاول أن أرى بعضاً منه فى صوتى وسلوكى ونفسى وطباعى وتصرفاتى فى المواقف وفى أشقائى الآخرين .. خسرتُ بخسارته كل شئ وعلمتُ أن عزة المرء فى الحياة بعده هى الصحة السليمة والنقود الكافية "الستر" وحسن التصرف فى حل المشاكل الحياتية فبدون الصحة مذلة ولا أحد سينجدنى وبدون النقود مذلة ولا أحد سيعيننى ويرعانى بمرضى فالكل مشغول بحياته وأولاده وإرضاء زوجته أو حاقد يتمنى لى الشر وانهدام البنيان كله من بعده على اعتباره أطلس حامل الكرة الأرضية وأنى لا أفقه شيئاً ولن أحافظ على البنيان من بعده ..



فى هذا العام المشؤوم الأسود النجس ، عام الحزن والمرض والموت للعالم ولى، عام الماعز "أو الخروف" الصينى الذى يتشاءم منه الصينيون أنفسهم حتى ، خسرتُ نصيراً عظيماً وحليفاً كبيراً وسط دنيا الأنانية والمادية والحسد والحقد من أقرب الأقربين ومن غيرهم من البشر .. دنيا زواج القائمة والمؤخر الضخم والمقدم الضخم وتسلط الزوجات على الأزواج وتشكيلهن لهم على أهوائهن وعلى طرازهن المنحط .. دنيا الإخوانية والسلفية والكيان السعودى والسهر والديجيهات وإزعاج العيال .. دنيا أردوغان والصومال والسودان وأفغانستان وباكستان .. دنيا ممالك الخليج الفارسى الظلامية الدينية المنحطة .. دنيا تأخون وتمسلف مصر .. دنيا أوباما والربيع العربى الكريه وكفى بها جميعاً نقمة .. دنيا عيد الأم ولا عزاء ولا تقدير للأب العظيم الإله .. الذى كان يظهر لى حبه لى دون كلمات ، بل بالأفعال المباشرة ، يعد لى الطعام والشراب دون تذمر ولا شكوى ، اليوم أعرق وأتعب فى شرائه وإعداده وتجهيزه فى غيابه، وأعلم قيمته التى أعلم مدى كبرها وعظمتها أصلاً .. اليوم أسير على خطاه فى تنظيف المنزل كما كنتُ أراه يفعل .. وقد أفادتنى مراقبتى له ولقيامه بمهام والدتى إضافة إلى مهامه. هذا الرجل الذى مرض بمعدته مرضاً غامضاً طوال ألفين وأربعة عشر لعله كان قرحة أو سرطان معدة ، لعام كامل دون شفاء أو استجابة للأدوية من أطباء مختلفين وكان صابراً على مرضه فى صمت سائراً على قدميه - يحسبه الجاهل سليماً - قائماً بمهامه الأبوية والأمومية ببطولة وبسالة وتحمل وصمود منقطعى النظير، وحين تقيأ دماً وعجز عن الحركة تماماً فى أسبوعه الأخير من حياته -الذى انتهى بوفاته نتيجة الأنيميا الشديدة وفشل وظائف الكبد والكلى وصدمة قلبية وعائية نتيجة نقص حجم الدم- الأسبوع الأول من العام الجديد ألفين وخمسة عشر كان هادئا يملك رباطة جأش وصلابة وصمود ، لم يفزع ولم يجزع ولم يبكى ولم يصبح طفلاً صارخاً .. بل كان خالداً صامداً يضرب به المثل فى الثبات .. نفس الثبات حين وفاة والده وحين وفاة والدته وحين وفاة شقيقه على مدى العقود الماضية بالتوالى .. هذا الرجل المتصدق المعطاء للقريب والغريب ، لمن يستحق ولمن لا يستحق .. أفضاله على أشقائى وأحفاده منهم أيضاً لا تعد ولا تحصى .. اللى معاه مش ليه .. لم يكن يهتم بامتلاك شقة أو مال كثير فى دفتر توفير .. بل رحل تاركاً القليل من المال ، والكثير جداً من المبادئ والثقافة والطيبة والتنوير .. جامعى مثقف يكاد أن يكون علمانياً ، وأنجب أربعة جامعيين .. مرموق عندى أكثر من كل من رفعهم التلفزيون والأنباء والصحف هذا العام وكل الأعوام من المتوفين من مشاهير الساسة والفنانين والكتاب إلخ .. رحل الرجل فى صمت إعلامى لأنه بالنسبة لهم نكرة .. مواطن عادى مغمور تماما .. رغم كل ثقافته وحبه الشديد لنزار قبانى ، وحبه ومتابعته الشديدة للسينما الأمريكية منذ طفولته .. وحبه للعقاد وطه حسين وعبد الرحمن الشرقاوى والصوفية العظام والمقرئين المصريين العظام وتكبيرات العيد الكاملة وما كتبته أنا وما كتبته صديقتى ديانا أحمد .. حبه لثروت عكاشة وموسوعة تاريخ الفن ، حبه لعلى مبارك واقتناؤه الخطط التوفيقية وأحياء وحارات القاهرة ، حبه واقتناؤه للأغانى لأبى الفرج الأصفهانى. حبه للغة العربية المنحدرة من السريانية والآرامية والسينائية البدائية والهيروغليفية هى والدتها. ربى جامعيين وليس مؤهلات متوسطة منحطة ولا جهلة ولا إسلامجيين ولا مدمنين. نكون ثلاثية الأبراج الترابية : أنا الابن العذراء وهو الأب الثور وهى الأم الجدى.



له الفضل ولا شك ولو بشكل غير مباشر فى حبى للعلمى علوم فى الثانوية العامة ، ولحبى للتعلم ولكليات جامعة القاهرة ومناهجها ، له الفضل ولا شك فى حبى للكتب والقراءة فى شتى المجالات من لغات وعلوم وآداب وفنون وأديان ، له الفضل ولا شك فى تنمية وعيى السياسى والناصرى وحبى للصحف ، له الفضل ولا شك فى علمانيتى وحبى للأغانى والمطربين القدامى الكلاسيكيين وحبى للمعرفة وللفنون والصوفية والإطلاع على الكتاب المقدس وكل الأديان وحبى للرسم والنحت والرقص الشرقى وسائر الفنون ، وحبى للألعاب الأولمبية ولم يفرض علىَّ حبه لكرة القدم .. له الفضل ولا شك ولو بشكل غير مباشر فى حبى للحضارة الغربية العظيمة المتقدمة وللعلمانية وحبى للحرية والحريات الكاملة فى الإنترنت والبورن وفى الحياة دون قيود دينية ولا تقاليد عفنة شرقية.. له الفضل فى أن أكون ما أنا عليه .. له الفضل مع إخوتى فى حبى للتاريخ ولدول البحر الأبيض المتوسط وحبى للمتحف المصرى والحضارة المصرية القديمة وشادى عبد السلام ومسلسلات أتمناها كما تتمناها صديقتى ديانا عن تحتمس الثالث نابوليون الشرق القديم ورمسيس الثانى وخوفو وخفرع ومنكاورع وأحمس وحتشبسوت ونفرتارى .. ولو كان الأمر بيدى لنصبتُ له تمثالاً رخامياً ضخماً فى مدفننا مدفن أسرتنا الذى يحمل اسمه كرب الأسرة .. ولكننى أنوى والنية لله أن أضع له لوحة جدارية رخامية على أحد جدران المدفن ، هذا نص المنقوش عليها :



****

بسم الله الرحمن الرحيم

ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

للذكرى الحبيبة له

هنا يرقد المرحوم المغفور له

حسن محمد أحمد

الأب العزيز المثالى الحنون والزوج المعطاء المحبوب والمُحِب



ولد بالمنصورة فى الأربعاء 19 مايو/أيار 1937 م

الموافق 11 بشنس 1654 ق

و 8 ربيع الأول 1356 هـ



توفى بالحلمية الجديدة بالقاهرة فى الأربعاء 7 يناير/كانون الثانى 2015 م

الموافق 29 كيهك 1731 ق

و 16 ربيع الأول 1436 هـ



ولروحه الطاهرة ثواب الفاتحة

دوماً فى بالنا وأفكارنا ، للأبد فى قلوبنا

رحل عنا لكن لا ننساه وبقيته فى حياتنا باقية

وعلى خطاه ومنهاجه وبنبراسه وهُداه نسير وروحه ترعانا من عل ٍ

MCMXXXVII - MMXV

قال رسول الله : من مات فى البطن فهو شهيد





****



انتهى نص اللوحة .. اليوم انقطع أملى فى رؤياه فى هذه الحياة مرة أخرى لسنوات حياتى التى ربما تكون أربعين عاماً تالية أو أكثر أو أقل ولم أكن لأصدق قبل عام حصول ذلك .. وإن كنتُ كنتُ أرتعب حين التفكير فى وفاته خلال السنوات الماضية القليلة لكننى تعلمت من ثباته ورباطة جأشه ما جعلنى أشعر بالطمأنينة والهدوء والسكينة دون انهيار يشمت الأعداء أقربين أو أصهار أو أبعدين .. فله الفضل حتى فى ثباتى فى هذا الموقف .. وعمليتى - أسلوبى العملى - بعدها مباشرة واستمرار عجلة الإنتاج والتعمير والإنجازات من بعده على يدى وعدم خراب المكان .. مع اكتشاف اختراع الدليفرى . وملكتُ مقاليد أمورى بيدى ولم يحوجنى إله الكون العظيم لأحد ، والفضل لإله الكون العظيم إله الربوبية واللادينية وإله الأديان القديمة والحديثة الوثنية والهندية الدارمية والإبراهيمية والإيرانية .. والفضل لروح أبى الخالدة الحية التى ترعانى وتلهمنى فى يقظتى وفى منامى . له الفضل فى حبى لسورية الأسد وله الفضل فى كراهيتى للإخوان والسلفيين والخلايجة والكيان السعودى وكان أول من كشف عورة الربيع العربى ، وله الفضل فى اعتمادى على نفسى لمزاولته سباكة ونجارة ودهان المنزل ، كان حرفياً ماهراً ويملك عدة أدوات مثل الأمريكان.



ونتعشم ونأمل أن تنتهى هذه السنة السوداء المشئومة -التى هى ملحق طبيعى لسنوات الربيع المجرم العجاف الثلاث التى مضت قبلها- سريعاً دون أضرار ومصائب إضافية لى ولأمى، وأن تكون الأعوام القادمة أعوام عودة السعادة والهناء إلى قلبى وعودة الصحة إلى بدنى ومعدتى.


*****


تأبين صديقى لوالده - جزء ثانى


ديانا أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 4868 - 2015 / 7 / 16 - 17:55
المحور: الادب والفن
   


يكمل صديقى أحمد حسن تأبينه "والدى كما عرفته" فيقول:

كان يقرأ ويحب إيليا أبو ماضى . وكان مثلى يكره الاجتماعيات والاجتماعات العائلية العيلة وعيلة العيلة النفاقية .. وسبب له ذلك خلافات مع والدتى الميالة للاجتماعيات ، والتى كانت طرفا أيضا فيمن ظلموه .. ورغم معارضتها لزيجات أشقائى إلا أنها تمسكت بهم وبأحفادها منهم مما جرأهم عليها وعليه ومزق قيادة الأسرة . كان حليق اللحية تماما ويراعى نظافتها ونظافة وكى ملابسه العصرية الغربية الإفرنجية مع بساطة قمصانه وبناطيله ويكره الملتحين والمتطرفين مثلى تماما. رفض الإعارة للخليج من أجل أولاده وتفرغ لهم. وكان يراعى ضميره فى الشرح لطلابه ولم يكن يعطى دروسا خصوصية أبدا ويعتبرها سحتاً. وكان يهتم بتغيير الملاءات التى أوشكت على التحلل من الزمن بملاءات جديدة وكذلك مناشف الحمام ، وكل ما يراه بالمنزل قد أوشك على التحلل من الزمن ، وكذلك يتابع تجديد الدهان بفرشاته وبنفسه . وكان يوصلنى للكلية ومن قبلها للمدرسة ذهاباً وإياباً .. وكان فى طفولتى يحملنى على كتفيه وكان الناس يغتاظون ويلومونه على ذلك لأنهم تربوا على القسوة وكان لا يقبل أن يظلمه أحد أو أن يتعدى أحد الجيران فى مدينة السادس من أكتوبر حدوده معه أو يزعجنا أو يسبب خطراً على مسكننا .. كان يتصدى له بجرأة وحزم. كان قوياً فى الحق. وتصدى لمضايقات بعض أولاده العاقين -إخوتى- لأمى وله .. وأحد هؤلاء العاقين يعمل ويقيم فى السعودية ويحمل فى عروقه دم إخوة يوسف هؤلاء الشر مكاناً والله أعلم بما يصفون، ويعـُـقّ أباه وأمه "ويتمنى لهما الموت ليرث" ويأكل مالهما ويأكل قروضهما له دون أن يردها ويحقد علىَّ ويتمنى لى الشر والفاقة ويطمع فيما فى يدىَّ وأيديهما ويفترى عليهما الكذب ويبخل حتى - بعدما حج هو وامرأته- يبخل على أبيه قبل وفاته وبعد وفاته الآن بأن يحج عن أبيه .. يرفض أن يحج عن أبيه المتوفى. وآسف أننى لوثتُ تأبين والدى بذكر هذا العاق الذى تجاوز عقوقه كل الحدود، وليكفينا الله شره ويكف أذاه ولسانه عنى وعن أمى وعن أبى وينتقم منه شر انتقام.

وأختم بقصيدة "أبى" لنزار قبانى. أهديها لروح أبى حسن محمد أحمد الخالدة وله منى كل السلام والعرفان والامتنان والمحبة ومهما كتبتُ فيه فلن أوفيه حقه وأفضاله التى أسبغها وسكبها علىَّ وعلى أمى وعلى إخوتى العاق منه والمطيع:

 أبي

بقلم : نزار قباني


أماتَ أَبوك؟

ضَلالٌ! أنا لا يموتُ أبي.

ففي البيت منه

روائحُ ربٍّ.. وذكرى نَبي

هُنَا رُكْنُهُ.. تلكَ أشياؤهُ

تَفَتَّقُ عن ألف غُصْنٍ صبي

جريدتُه. تَبْغُهُ. مُتَّكَاهُ

كأنَّ أبي – بَعْدُ – لم يّذْهَبِ

وصحنُ الرمادِ.. وفنجانُهُ

على حالهِ.. بعدُ لم يُشْرَبِ

ونَظَّارتاهُ.. أيسلو الزُجاجُ

عُيُوناً أشفَّ من المغرب؟

بقاياهُ، في الحُجُرات الفِساحِ

بقايا النُسُور على الملعبِ

أجولُ الزوايا عليه، فحيثُ

أمرُّ .. أمرُّ على مُعْشِبِ

أشُدُّ يديه.. أميلُ عليهِ

أُصلِّي على صدرهِ المُتْعَبِ

أبي.. لم يَزلْ بيننا، والحديثُ

حديثُ الكؤوسِ على المَشرَبِ

يسامرنا.. فالدوالي الحُبالى

تَوَالَدُ من ثغرهِ الطَيِّبِ..

أبي خَبَراً كانَ من جَنَّةٍ

ومعنى من الأرْحَبِ الأرْحَبِ..

وعَيْنَا أبي.. ملجأٌ للنجومِ

فهل يذكرُ الشَرْقُ عَيْنَيْ أبي؟

بذاكرة الصيف من والدي

كرومٌ، وذاكرةِ الكوكبِ..

*

أبي يا أبي .. إنَّ تاريخَ طيبٍ

وراءكَ يمشي، فلا تَعْتَبِ..

على اسْمِكَ نمضي، فمن طّيِّبٍ

شهيِّ المجاني، إلى أطيبِ

حَمَلْتُكَ في صَحْو عَيْنَيَّ.. حتى

تَهيَّأ للناس أنِّي أبي..

أشيلُكَ حتى بنَبْرة صوتي

فكيف ذَهَبْتَ.. ولا زلتَ بي؟

*

إذا فُلَّةُ الدار أعطَتْ لدينا

ففي البيت ألفُ فمٍ مُذْهَبِ

فَتَحْنَا لتمُّوزَ أبوابَنا

ففي الصيف لا بُدَّ يأتي أبي..


*****
انتهى مقال صديقى وله مقال مهم جدا ورائع ووحيد فى موقع الحوار المتمدن هو : "خواطر رومانسية وسياسية من عاشق مصرى إلى حبيبته السورية الأسدية المستقبلية"
 .. وهذا رابطه :

www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=358001

وهذا رابط الجزء الأول من التأبين:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=476140