Tuesday, 7 June 2016

بيتر بول روبنز ولوحة تحكيم باريس




بيتر بول روبنز
(1577-1640)
في جوّ مشحون بالتوتّر صاحب بعث الكاثوليكية من جديد في أعقاب حركة الإصلاح الديني نشأ بيتر بول روبنز Peter Paul Rubens الذي ظلّ طوال حياته كاثوليكياً لا يشوب إيمانه العميق تعصّب أو ضيق أفق. وعلى نهج الطبقة الأرستقراطية المثقّفة بمدينة أنفرس اعتنق روبنز تقاليد التسامح الإنساني التي نادى بها إرازموس في الأراضي الواطئة، مؤمناً أن في الإمكان التوفيق بين مبادئ المسيحية وبين حكمة العصر الكلاسيكي القديم والإفادة من معارف اليونان وروما في خدمة الكنيسة، فبعد أن زالت عن الآلهة اليونانية هالات التقديس الأسطورية لم تعد بالنسبة للمؤمنين أكثر من رموز طريفة تؤنس الأفراد في رحلة الحياة. وعندما بلغ روبنز الثالثة عشرة من عمره عمل بضعة شهور وصيفاً بأحد قصور النبلاء حيث لقن أصول التعامل وقواعد السلوك بين هذه الأوساط وهو ما جعله في مستقبله موضع الترحيب في بلاط الملوك، غير أن رغبته العارمة في أن يكون فناناً كانت أصيلة، فما لبث الوصيف أن أصبح تلميذاً منتظماً في مرسم فنان لا يباريه أحد من زملائه في يقظة ضميره ودقّة نهجه. ومع أن مواهبه الفذة قد أفصحت عن نفسها مبكراً إلا أنه كبح جماحها بعزيمة جبّارة معاهداً نفسه على أن يلقن سرّ المهنة ويستوعب تقنيتها قبل أي شيء آخر. وكان بوسع روبنز أن يقنع بما تلقّاه عن مهنة التصوير في بلاده، لكنه كغيره من فناني شمال أوربا كان ينظر إلى إيطاليا باعتبارها الينبوع الثر للفن، وآثر أن يواصل مهمة التحصيل في موطن الحضارات الكلاسيكية القديمة التي كان يعرفها حق المعرفة فيما طالعه من مؤلفات، فغادر أنفرس في ربيع عام 1600 قاصداً إيطاليا حيث قضى سنوات ثمان من حياته يدرس النماذج الكلاسيكية وأعمال كبار مصوري عصر النهضة وينسخها كاشفاً عن براعة فائقة أكسبته شهرة واسعة في كافة أنحاء أوربا. وكانت تلك الأعوام التي قضاها في إيطاليا حاسمة بالنسبة لتطور أسلوبه الفني فقد انغمر في أعماق الحضارة الكلاسيكية التي قدر لها أن تبثه الإلهام خلال حياته، كما تمثّل أساليب الحركة الإيطالية المناهضة للإصلاح التي بلغت ذروتها بروما في عهد البابا سكستوس الخامس وخلفائه، حيث شاهد روائعها في الكنائس والأديرة وقصور الكرادلة على أيدي معاصريه من المصورين أمثال كاراتشي وجيدو ريني وكارافاجيو. وكانوا جميعاً يسعون إلى إيجاد حل للمشكلة التي كانت تشغل بال روبنز حينذاك وهي التخلّص من سمات الأسلوب المتكلّف، ومحاولة تقديم الموضوعات التقليدية وقصص الكتاب المقدس المتداولة بأسلوب يتميّز بالبساطة والتلقائية. ووقع روبنز بعد سنوات من الجهد الشاق والتجارب المتّصلة على الحلّ الذي كشف عمّا يتمتّع به من مواهب خارقة، فأثار بتصاويره الدينية عواطف الناس واستمال نفوسهم بمنحنياته المندفقة وألوانه الرفافة الموزعة خير توزيع، وأشكاله المتميزة ووضعاتها غير المألوفة في هذا النوع من التصوير، حيث تنبض صوره بغزارة وتنوع بغير حدود يملكان التعبير عن كل شيء سواء كان درامياً محزناً مثل لوحة “طعنة الحربة في جنب المسيح” (أو المسيح مصلوباً بين لصّين) (لوحة 453)، تلك اللوحة الضخمة الرائعة المحفوظة بمتحف أنفرس والمثيرة للشجن بشخوصها ذات الحجم الطبيعي التي كانت وما تزال تهزّ مشاعر من يتطلّع إليها، أو متوهّجاً مرحاً متدفّق الحيوية مثل لوحة “تقديم الملوك المجوس الهدايا للمسيح” (لوحة 454) التي فرغ منها روبنز في عام 1652 قبل وفاة زوجته الأولى إيزابيلا براندت بوقت قصير والتي يشيع كل تفصيل فيها المتعة. وأي تأمّل جاد لأحد تكوينات روبنز الفنية الضخمة يفتح أمام المرء آفاقاً فسيحة تحتشد بالعديد من البورتريهات والشخوص والانفعالات تجاذباً وتنافراً.
ولو أنعمنا النظر فيها نجدها تتميّز بسمة من سمات الطراز الباروكي الذي اعتلى روبنز قمته، وتلك السمة هي الواقعية التي تتجلى أكثر ما تتجلى إذا وضعت إلى جانب المثالية فإذا ما بينهما من تباين يجلوهما. وهو ما نشهد معه اجتماع الوجه الواقعي للشيخ المجوسي القريب من العذراء إلى جوار الوجه المثالي للغلام إلى يمينه، فضلاً عمّا تحتشد به رؤوس شيوخ المجوس من طاقة ودينامية وهم يقدمون الهدايا إلى الطفل يسوع، كما نشهد في وجه العذراء جمالاً يفيض حناناً وقدسية وعذوبة لم نعتده من قبل. وكذا يلفتنا أن الطفل يسوع بعيد كل البعد عن الطفل التقليدي الذي اعتاد أسلاف روبنز من الفنانين تصويره منذ ما ينوف عن قرن ونصف، وهو نفس الانطباع الذي نحسّ به حين نتأمّل لوحة “العائلة المقدسة” (لوحة 455) حيث يتواشج الوجه المثالي للعذراء ويسوع الطفل مع الوجه الواقعي ليوسف النجار وإليصابات والطفل يوحنا.
وتكمن قوة روبنز الخارقة في قدرته على التعبير المباشر من خلال لغة اللون ومن خلال الواقعية المطلقة المعبّرة عن شتى العواطف الإنسانية، على نحو ما نرى في لوحة “الطفل والعصفور” (لوحة 456) ولوحة “الكهولة والشباب والطفولة حول الموقد” (لوحة 457) اللتين يتجلّى فيهما المغزى المراد فلا يحتاجان معه إلى تفسير. غير أن روبنز كان فناناً متعدّد البراعات طليق الحركة لم يشأ أن يحصر فنّه في الموضوعات الدينية والتعبير عن العواطف الإنسانية فحسب، فإذا كان تتسيانو فنانه الأثير قد تفوّق إلى جانب ذلك في رسم البورتريهات والموضوعات الكلاسيكية الأسطورية، فهو ليس أقل منه موهبة أو طموحاً فنياً.
وعلى غرار لوحة تقديم المجوس الهدايا إلى المسيح كانت لوحة “شمشون ودليلة” (لوحة 458) حُبلى بثمار الرحلة إلى إيطاليا؛ إذ تكشف عضلات ظهر شمشون وذراعه المفتولة عن دراسة روبنز لأشكال ميكلانجلو التي رسمها أثناء إقامته في روما فوق سقف مصلي سيستينا، فهي نسق فريد من العضلات ابتدعه ميكلانجلو لشخوصه شغف به روبنز وأطال التأمّل فيه. كذلك يدين روبنز بوضعة “دليلة” إلى ميكلانجلو إذ تحمل تقويسة جسدها صدى تقويسة جسد ليدا في لوحته “ليدا وطائر البجع”، كما أنها شديدة القرب من جسد تمثال “الليل” في ضريح جوليانو ده مديتشي الذي حرص روبنز أيضاً على دراسته ورسمه وتسجيله. ولقد اقتبس روبنز هذه الأفكار وصاغ منها النموذج الأصيل بالغ السحر الذي أضفاه على “دليلة”. ومما يضاعف من حسية موضوع الصورة ما أسبغه عليها روبنز من ألوان سخية ولمسات فرشاة رحبة عريضة. وما من شك في أن بؤرة الصورة هي “دليلة” التي يُشعل صدرها العاري الوجدان بقدر ما يشدّ وجهها الجميل العين. وبرغم أنه قناع جمالي تقليدي إلا أن روبنز وفّق في التعبير عن المشاعر المتضاربة لامرأة لا تزهو بالانتصار الذي حققته على بطل لا يقهر بقدر ما تحنو عليه مشفقة على مصيره المفجع. ولا يكتفي روبنز بذلك بل لقد أكّد إحساسها بالشفقة بوضع يدها في رفق على ظهر شمشون، كما أضاف بياض كفّها على سمرة ظهره لمسة حسية رقيقة. وقد يتساءل المرء عن سر اختيار روبنز لهذا الموضوع الذي أودت فيه شهوانية بطل عملاق إلى الهاوية، ولعل مردّ ذلك إلى أنه يتيح أن يمارس كل ما تفرّد به من مهارة بارعة وتقنية حاذقة منذ عودته من إيطاليا، فاستعرض ذلك كله من خلال امرأة بضة فاتنة وبطل أسطوري وقاعة فسيحة تتوهّج بالأضواء.
ولم يكن فنانو القرن السابع عشر مع ذلك يملكون زمام أمورهم، فعلى الرغم من أن إنجازات عظماء أسلافهم ساهمت في رفع مستواهم الاجتماعي إلا أنهم ظلوا مجرد حرفيين يعتمدون على ما يعهد به إليهم رعاة الفن مستنيرين كانوا أم غير مستنيرين، وكان روبنز سعيد الحظ براعيه الأول فنشنزو دوق مانتوا الذي واصل تقاليد أسرة جونزاجا في رعاية الفنون بحماسة وبذخ ملحوظين. وكان الدوق قد اكتشف أثناء زيارة له لمدينة البندقية في عام 1600 تصاوير روبنز فطلب إليه العمل في قصره حيث عهد إليه بمهام تصويرية باعثة على الضجر وإن أجزل له العطاء، وأتاح له عقد صداقات اجتماعية رفيعة، وفوق كل شيء هيأ له فرصة لا مثيل لها للدراسة. وكانت مدينة مانتوا في مستهل القرن السابع عشر كنزاً فنياً يثير الغيرة والحسد، حفلت بأعمال جوليو رومانو ومانتنيا ورافائيل وتتسيانو وتنتوريتو وكوريجيو وفيرونيزي التي ما فتئ  روبنز يتأملها ويدرسها ويقضي بينها كل أوقات فراغه. على أن روبنز لم يصرف كل وقته بإيطاليا في مانتوا وحدها، فقد أذن له الدوق – الذي لم يكن يكف هو الآخر عن الترحال – لا بزيارة بقية مدن إيطاليا فحسب بل أوفده كذلك إلى إسبانيا محمّلاً بالهدايا إلى الملك فيليب الثالث وإلى دوق ليرما صفي الملك المولع بالفنون. وأتاحت رحلة إسبانيا لروبنز أن يتأمّل على مهل مجموعة صور تتسيانو التي يحتفظ بها الملك في الإسكوريال، كما فتحت له الباب على مصراعيه ليؤدّي دوراً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً. وقد استرعى روبنز نظر دوق ليرما الذي عهد إليه برسم بورتريه له فصوره الفنان فوق صهوة جواد بالمواجهة (لوحة 459) على العكس من التقليد المتبع في رسم هذا المشهد بالمجانبة. وقد أثبتت هذه العلاقات الحميمة التي أنشأها روبنز في إسبانيا فائدتها في المستقبل حين أنيط به تمثيل حكومته في مباحثات دبلوماسية بالغة الأهمية. وكان فيليب الثاني قبل وفاته قد عهد إلى ابنته إيزابيلا وزوجها الأرشيدوق ألبرت من أسرة هابسبورج حكم أقاليم الأراضي الواطئة التابعة لإسبانيا والتي ظلت تعتمد على المساعدة الإسبانية في كفاحها ضد الأقاليم البروتستانتية المتمردة في الشمال، فلقد كانت الروابط وثيقة بين البيت الملكي الإسباني والبيت الملكي في بروكسل عاصمة الأقاليم الجنوبية من الأراضي الواطئة.
وعلى الرغم مما كان يلقاه روبنز من ترحيب وإقبال من مجتمعات الأقاليم الموالية لملك إسبانيا، إلا أنه كان يشعر أن وطنه الحق وأسرته الكبرى هي مملكة الفنون والآداب، وكانت اللغة اللاتينية ما تزال وقتذاك هي اللغة المشتركة في أوربا على الرغم من أن اللغة الإيطالية كانت بدأت تحل محلها، وكان روبنز يكتب رسائله بالإيطالية لا باللاتينية أو الإسبانية وإن لجأ أحياناً إلى الفرنسية أو لغته الفلمنكية القومية التي كان يعتز بها كل الاعتزاز. وما من شك في أن زيارته لمدينة جنوا في عام 1607 قد ذكّرته بمدينة أنفرس الأثيرة لديه، فلقد كانت جنوا بالنسبة لعالم البحر المتوسط مثل أنفرس بالنسبة لدول شمال أوربا قبل الحرب مركزاً للتجارة الدولية والاقتصاد وميناء واسع الثراء تحكمه أرستقراطية موسرة. وقام روبنز بتصوير أفراد الطبقة العليا بجنوا في الوقت نفسه الذي عكف فيه على دراسة تصميمات العمارة السكنية الفسيحة التي كانوا يخلون إليها في حياتهم المترفة، فأوحت له هذه البيوت توّاً بنماذج تصلح للمحاكاة في مدينته أنفرس. وما كاد يعود إلى بلاده في عام 1608 حتى اشترى بيتاً أجرى عليه من التعديلات ما جعله مشابهاً للبيوت الإيطالية التي أعجب بها في جنوا، ونشر في عام 1622 مجلّداً يضم تصميمات وصوراً مطبوعة بطريقة الحفر لبيوت جنوا. على أن مدينة أنفرس كانت تعاني في مطلع القرن السابع عشر من المشكلات ما هو أجدر بالالتفات من التفكير في تحويلها إلى جنوا الشمال بعد أن استقطبت مدينة أمستردام المنافسة في شمال الأراضي الواطئة معظم التجارة، كما نما اقتصاد الأقاليم الشمالية البروتستانتية المتحدة على حساب الأقاليم الجنوبية الكاثوليكية الموالية لإسبانيا والتي أخذت في التحسّن الجزئي تحت الحكم الرقيق السمح لإيزابيلا وألبرت، وطالما ظلت إسبانيا تمارس حربها الضروس ضد المقاطعات الشمالية الثائرة فقد مضى التحسن بطيئاً. وفي عام 1609 أسفر الإنهاك والاستنزاف المتبادلان عن هدنة استغرقت اثنتي عشرة سنة، ومع أن شروط الهدنة لم تساعد أنفرس كثيراً على تحسين موقفها الاقتصادي إلا أن السلام منح الأقاليم الجنوبية المتهالكة فترة التقطت فيها أنفاسها فاندمجت في قومية شديدة الاختلاف عن قومية الجمهورية الهولندية الوليدة التي غدت دولة بروتستانتية نشطة ذات حكومة أوليجاركية من التجار كما أسلفت، تعتبر الحرية والتسامح الديني من العناصر الأساسية للازدهار الاقتصادي، على حين تمسكت الولايات التابعة للتاج الإسباني في جنوب الأراضي الواطئة بالقيم التقليدية، فكانت ملكية أكثر منها جمهورية، كما كانت أرستقراطية أكثر منها بورجوازية، وقبل كل شيء كانت كاثوليكية متعصبة. وإذا سلمنا بالازدهار الاقتصادي معياراً للنجاح الاجتماعي لقلنا إن الجمهورية الهولندية قد حازت قصب السبق، أما إذا وضعنا الفنون الحضارية مقياساً كان علينا أن نعترف بتوازي الكفّتين. على أن الازدهار الثقافي في الجمهورية الهولندية، ذلك المجتمع الذي أنجب هالس ورمبرانت وفيرمير، قد حجب إلى حد ما إنجازات الجنوب الرائعة، وإذا كان ثمة فنانون يُعزى إليهم علوّ كعب أقاليم الأراضي الواطئة الإسبانية من الناحية الحضارية والفنية لأتى على رأسهم بيتر بول روبنز من غير جدال.
وما كاد روبنز يعلم في عام 1607 بنبأ تدهور صحة أمه حتى بادر بالرحيل عن إيطاليا إلى وطنه، عاقداً النية على العودة من جديد إلى إيطاليا. وكان صيته الذائع قد سبقه إلى الأراضي الواطئة، فسارع ألبرت وإيزابيلا إلى عرض منصب مصوّر البلاط عليه، وهو المنصب الذي شجّعه على الاستقرار في أنفرس. وما لبث أن تزوج من إيزابيلا براندت (لوحة 460) ابنة أحد المحامين، وبعد أن رزقا بطفلهما الأول استقرّوا في منزل زوده روبنز بمرسم فسيح، وتلت ذلك سنوات خصبة بالإنتاج الغزير، فتقاطرت عليه عقود التكليف من بلاطات الملوك ومن الكنائس والأنظمة الدينية كاليسوعيين على سبيل المثال لزخرفة كنيستهم في أنفرس، هذا إلى التكليفات المتزايدة من المعجبين به في شتى الدول حتى غدت أنفرس المركز الفني الجديد لأوربا بفضل شهرته وعبقريته الخلاقة. وتوافد على مرسمه العديد من الفنانين الواعدين، يتقدمهم المصور أنطوني فان دايك وجماعات لا حصر لها من المعجبين بفنه وجامعي التحف الذين أخذوا يترددون على منزله في تقدير وخشوع لمشاهدة الفنان العظيم مستغرقاً في نشاطه. وكان روبنز يفي بكل وعد يقطعه على نفسه، ولم يكف الأمراء وأثرياء أوربا عن التنافس والإقبال على اقتناء منجزاته التي لم يكن مغالياً في أثمانها. وإذ كان بطبعه يميل إلى المشروعات الضخمة الجريئة، لذا لم يتردّد كثيراً حين استدعته ماريا ده مديتشي(81) ماريا ده مديتشي (1573 – 1642) ابنة فرنشسكو الأول ده مديتشي دوق توسكانيا. وقد وقع عليها اختيار هنري الرابع ملك فرنسا للزواج بها كي تنجب له بعد أن طلق زوجته العاقر، لعل مهرها الباهظ الصادر عن آل مديتشي أثرياء فلورنسا ينعش الاقتصاد الفرنسي. وقد تم عقد القران في فلورنسا بالتفويض عام 1600، فأنجبت له ستة أطفال. غير أن خيانات هنري الغرامية ما لبثت أن أفسدت العلاقة الزوجية. ومع ذلك جرى تتويجها بوصفها ملكة فرنسا في 13 مايو 1610 قبل يوم واحد من اغتيال زوجها. وكان من الطبيعي أن تعين وصية على ابنها الصغير لويس 13 على الرغم من أن فريقاً من أفراد البلاط اشتم رائحة التآمر من جانبها في مصرع الملك. وكوصية على العرش سلكت سبيلاً مضاداً لسياسة زوجها، فإذا هي تصادق إسبانيا بعد أن كان هنري يعاديها، كما بددت إيرادات الدولة، وعاملت الأمراء المتمردين بقسوة متناهية. وبالرغم من أن ابنها لويس 13 كان قد بلغ السن القانونية التي تخول له مباشرة سلطاته استمرت أمه تمارس الحكم نيابة عنه، وكان مستشارها الأول ريشيليو الذي آزرته للحصول على لقب كاردينال ثم ما لبثت أن انقلبت عليه في عام 1628 حتى غدت أشد خصومه بعد أن فسرت خدماته المخلصة للويس 13 بمثابة خيانة لها ونكران لجميلها. ولم تكف عن دسائسها ومؤامراتها إلى أن نفيت إلى كومبيين، ففرت عام 1631 لاجئة إلى بروكسل في الأراضي الواطئة التابعة لإسبانيا وقتذاك، ولم تعد بعدها قط إلى فرنسا وماتت معدمة معوزة في مدينة كولونيا عام 1642. الملكة الوالدة وأرملة هنري الرابع والوصية على عرش الصبي لويس الثالث عشر إلى فرنسا لتعرض عليه أن يعد لها سلسلة من اللوحات تزين بها قصر لوكسمبور (ج) الذي أعدّ لإقامتها وكان قد أوشك على الانتهاء على نهج يواكب طراز عمارته الإيطالية الباروكية، وذلك تخليداً لذكراها ولذكرى زوجها الراحل الملك هنري الرابع. وإذ كانت ماريا ده مديتشي تفتقر إلى الموهبة الفنية فقد تطلب المشروع من روبنز قدراً كبير من اللباقة والخيال حقّق بهما مجداً فنياً ارتقى به هو دون الملكة إلى الذروة. وكانت ماريا ده مديتشي تنحدر من سلالة لورنزو مديتشي العظيم، لذا كانت تعلم حق العلم أن شهرة الملوك والأمراء بعد موتهم تتوقف على حسن اختيارهم لشعرائهم ومصوّريهم أكثر مما تتوقّف على حسن إدارتهم لشؤون الدولة. وجاءت لوحات روبنز الواحدة والعشرون الكبيرة الحجم لتخليد حياة ماريا ده مديتشي الخاملة والحافلة بالتقلبات في أسلوب رمزي خيالي أكثر من اتفاقها مع الوقائع التاريخية، غير أن المشروع الآخر الخاص بتخليد ذكرى زوجها هنري الرابع أصابه الإخفاق. وكانت ماريا ده مديتشي قد ترامت إليها شهرة روبنز على لسان شقيقتها دوقة مانتوا التي قضى الفنان في بلاطها سنوات ثمان في شبابه. والأمر الجدير بالتقدير والإعجاب هو قدرة روبنز على إطلاق العنان لحريته في الرسم دون أن يخرج على القيود التي كانت تفرضها مراسم البلاط، وهو ما أتاح له الظفر بإعجاب الملكة بأعماله التي كانت تشبع رغبته في الإبداع الفني المتميز، وذلك في أسلوب تشكيلي ضخم يتميز بانفساح رقعة تكويناته وشدة الوضوح، يغشي الجدران في تناغم بارع وإيقاع محسوب بتكوينات تتعاقب فيها الديناميكية والستاتيكية، تروي السيرة الرمزية لماريا ده مديتشي، تقريظاً وتمجيداً على لسانها، وتأكيداً لما كانت تتمتع به من سلطان مكين. ولم يحدث قط أن اختلط فن التصوير بالسياسة بمثل هذه الألفة والسلاسة، كما تذهلنا هذه السلسلة المصورة بكثرة التكوينات الرمزية الشائعة في المشاهد التاريخية، وبالمزج بين الآلهة الإغريقية والشخوص الحية المعاصرة.
وكانت الفكرة الرئيسة المسيطرة على مشروعه هي أن آلهة الوثنية القديمة قد آثرت أن تهجر موطنها الروحاني بجبل الأولمبوس كي تأوي إلى مدينة باريس الساحرة الأضواء وتستقر بها، كما تخيل أن جوبيتر كبير الآلهة وزوجته جونو قد طلبا إلى ربات القدر الثلاث قبل مولد ماريا ده مديتشي أن ينسجن لها مستقبلاً مشرقاً، فأبين إلا أن تتولى الربة منيرفا تعليمها أصول القراءة والكتابة، وأن ينفرد الإله أبوللو بتلقينها أصول الموسيقى، وأن تستقي بلاغتها وأسلوبها من الإله ميركوريوس، على ألا تبخل عليها “ربات الحسن” الثلاث بإضفاء كل ما هي جديرة به من مفاتن أنثوية، وهو ما نراه في لوحة “تثقيف ماريا ده مديتشي” (لوحة 461)، حتى إذا ارتقت ماريا قمة السمو الفكري والخلقي والجمالي أشرف الثالوث الإلهي المكون من جوبيتر وجونو ومنيرفا على مشهد الملك هنري الرابع وهو يتلقى صورة ماريا ده مديتشي (لوحة 462) حيث نرى منيرفا ربة الحرب والسلام تهمس بحكمتها في أذن الملك، بينما أضاف الفنان لمسة خيال شارد خفيفة حين رسم اثنين من ولدان الحب يلهوان بحمل درع الملك وخوذته. ولكي يؤكد الفنان أن عقد القران قد جرى في السماء صوّر في الجزء الأعلى من الصورة جوبيتر برفقة نسره وجونو برفقة طاووسها وهما يمنحان الزيجة بركتهما الإلهية.
وقد صاحب إعلان نبأ القران رسميّاً بفلورنسا إقامة احتفالات شتى متنوّعة بينها تقديم أوبرا “يوريد يكي” للموسيقي بيري وهي أولى الأوبرات في الوجود، غير أن روبنز لم ير ما يربط هذا الحدث العظيم بالقران الملكي فلم يشر إليه، مؤثراً تصوير مشهد وصول ماريا ده مديتشي إلى ميناء مرسيليا (لوحة 463، 464). فما تكاد قدماها تطآن الشاطئ حتى تنحني أمامها الشخصية المجسّدة لفرنسا مرحّبة بها، بينما تنفخ شخوص تمثل “المجد” في أبواق النصر معلنة نبأ مقدمها. ولم تقتصر البهجة على البشر وحدهم بل شاركهم آلهة البحار، فنرى الإله نبتون يصدر بنفسه أوامر إرساء السفينة التي تقل الملكة بينما يرقص أرباب البحر وحورياته وعرائسه على القاع أنغام الأمواج في مرح وفرح. وتتأود أجساد عرائس البحر وتتحوى بطاقة لا عهد للبشر بها، بل يثبن من جوف المياه تحية لملكة فرنسا المقبلة. ويتضح لنا من الإضاءة الشديدة والحركة المتموجة أن الفنان قد أولى هذا الشطر من الصورة أعظم اهتمامه، كما يؤكد المتخصصون أن عرائس البحر وحورياته من رسم روبنز شخصياً، إذ تشي أجسادهن بعشقه المفرط لشكل المرأة البضة الملداء. وإذ كان على روبنز أن يغشي مساحات رحبة من هذه اللوحات الضخمة نجده في هذه اللوحة التي يقارب حجمها أربعة أمتار في ثلاثة أمتار يلجأ بنهم وإصرار إلى الأشكال الأنثوية الكفيلة بملء اللوحة والعين معاً. وإلى جوار هذه اللوحات الثلاث أعرض أيضا لوحة “تتويج ماريا ده مديتشي” (لوحة 465) ولوحة “تهنئة ماريا ده مديتشي بمناسبة توليها الوصاية على عرش ابنها الصبي لويس الثالث عشر” (لوحة 466). وقد اضطر روبنز أمام ضخامة هذا المشروع الجريء إلى استخدام مائتي مساعد للعمل معه في مرسمه بأنفرس ابتداء من عام 1622. وكعادته في مثل هذه المشروعات كان روبنز يرسم الهيكل العام للتكوين الفني الخاص بكل لوحة، ويعهد بالأعمال التحضيرية إلى أحد المساعدين، وبالخلفية المعمارية إلى آخر، وبالمنظر الطبيعي ورسوم الحيوان إلى أخصائيين في هذه المجالات محتفظاً لفرشاته بمواقع معينة ينتقيها بنفسه. وعندما تم تعليق اللوحات بقصر لوكسمبورج نهائياً في عام 1625 وضع روبنز بنفسه اللمسات الأخيرة عليها في حضور الملكة ماريا التي فتنت بما أدّاه وسعدت بحوارها معه.
وإزاء الضغط المتزايد على روبنز زاد اعتماده على معاونيه، ومع ذلك بقي مسيطراً على التكوينات الفنية بعبقريته الملهمة وعقله المدبّر. وكان روبنز شغوفاً بكل ما يتصل بالحضارة بصلة، فنجده في رسائله إلى أصدقائه من أصحاب المذهب الإنساني ينتقل في يسر وسهولة من مناقشة الأحداث الجارية إلى تفاصيل آخر الإنجازات التي يضطلع بها، ثم إلى وصف مسهب لرصيعة رومانية تم العثور عليها مؤخّراً، معلّقاً على كل موضوع بذكاء ودراية وروح تفيض إنسانية وتسامحاً. وإلى جوار هذا كان يستمتع بحياة أسرية حانية إلا أن وفاة زوجته إيزابيلا في عام 1626 قطعت عليه سكينته التي ما لبث أن استعادها خلال العقد الأخير من حياته عندما اقترن بهيلينا فورمان الفاتنة (لوحة 467) التي كانت تصغره بسبعة وثلاثين عاماً والتي أنجبت له خمسة أطفال في عشر سنين، ومع اعتزازه بذاته وبفنه فقد عاش جم التواضع حتى آخر أيامه. ولقد أضرمت الأعوام الثمانية التي قضاها روبنز في إيطاليا شهيته نحو تطوير عنصر الضوء حتى غدا أصدق تعبير عن هوسه الباروكي، ثم إذا هو يحقن لوحاته بأعاصير الشبق الحسي الذي جاوز به الحدود التي بلغها تتسيانو أحد أساطين المصورين الذين اتخذهم روبنز قدوة له. وما من شك في أن زواجه وهو في سن الثالثة والخمسين من الصبية الملداء هيلينا فورمان قد أشعل هذا الشبق الحسي إلى أقصى مداه. وكانت لوحة “معطف الفراء القصير” Het Pelsken (لوحة 468) هي الوحيدة من بين صور هيلينا فورمان العارية التي أبقت عليها ولم تعدمها بعد وفاة زوجها. واللوحة لامرأة عارية بالحجم الطبيعي، تكرس بوضوح غريزة العطش الجنسي والارتواء الجسدي، واقفة بخيلاء فوق سجادة حمراء أمام خلفية داكنة. ويلفتنا التفاف ذراعيها حول جسدها البض محاولة الحؤول بين الفراء الأسود الذي يكاد لا يستر شيئاً من مرمرية الجسد وبين أن ينداح وكأنها خارجة من الحمام توّاً، الأمر الذي يؤكد مجازية تسمية هذه اللوحة أحياناً باسم “أفروديتي”. ولقد تحرّرت هذه اللوحة تماماً من كافة ضوابط الجمال الكلاسيكي، فضلاً عن أن طغيان لون البشرة المرمري الذي يؤجّجه السواد والحمرة المحيطان به يجرّد التكوين الفني من أيّة صبغة كلاسيكية، كما يوحي باطراح الحياء.
وكانت الهدنة بين إسبانيا والأقاليم الهولندية المتحدة قد انتهت في عام 1621 وعادت الحرب إلى الأراضي الواطئة الإسبانية، وبمرور الوقت صارت جزءاً من صراع أوسع وأشدّ عنفاً بين البروتستانت والكاثوليك هو حرب الثلاثين سنة. وكان البؤس والخراب الناجمان عن الحرب مصدر قلق شديد لروبنز وهو رجل سلام بطبعه يود لو يعيش العالم كله في سلام “العصر الذهبي” لا نزاع “عصر الحديد”، ولكنه عاش عصر الحديد كارهاً وعلى مضض، فلم يكن بوسعه تجنّب الأهوال التي جرّتها الحرب الضروس. وفي عام 1620 حاولت الأرشيدوقة إيزابيلا وأمبروزيو دي سبينولا القائد الجنوي لجيوش إسبانيا في الأراضي المنخفضة كل ما بوسعهما لتخليص المقاطعات الجنوبية من حرب عوان كانت تهددها بالفناء. وإذ كانت الحكومة في بروكسل موصولة بمدريد المتورطة إلى أذنيها في هذا الصراع الدولي فلم تكن أمامها فرصة كبيرة للمناورة المستقلة، ولم تجد أمامها غير جس النبض من خلال الجهود الدبلوماسية مؤملة في توطيد دعائم السلام إذا ما حققت بعض التقارب بين إسبانيا وإنجلترا. وكانت الأرشيدوقة في مسيس الحاجة إلى وسيط يظفر بثقتها التامة ولا تثير تحركاته الشك لإجراء تلك المساعي الدبلوماسية البالغة الدقة.
ولم يكن أمامها من تفتح له القصور في أنحاء أوروبا أبوابها مرحبة غير روبنز الذي يمكنه ممارسة حنكته الدبلوماسية الهادئة تحت ستار نشاطه الفني المشروع، فيبذل مساعيه الحميدة لإطفاء حرائق الحروب وإخماد ألسنة النيران، منشئاً بدلاً منها حدائق السلام غارساً أشجار الزيتون ليتناجى في ظلالها هديل الحمام الوادع. وما أحرانا ونحن نتناول هذه المرحلة من حياته أن نشير إلى أنه لم يكن فناناً مبدعاً يحلق في آفاق الخيال فحسب بل كان فضلاً عن ذلك شخصية واقعية متعددة المواهب والقدرات، فكما كان رجل القلب الكبير كان أيضاًرجل العقل الكبير. ومن ثم شرع روبنز بالترحال من جديد، فالتقى في باريس في عام 1625 براعي الفنون الدوق باكنجهام الأثير لدى ملك إنجلترا تشارلس الأول، وفي عام 1626 تفاوض مع مبعوث الدوق الذي كان يتوق إلى شراء مجموعته من التحف الرومانية. وفي عام 1627 أثناء زيارة له لهولندا جمع بين الفن والدبلوماسية والتقى بالسفير الإنجليزي في لاهاي. وما لبث أن استُدعي إلى إسبانيا كي يعرض ما توصل إليه من نتائج، وكان قد انقضى ربع قرن منذ زيارته الأخيرة لإسبانيا فوجد الكثير مما يعرفه قد لحقه التغيير، فاحتل دوق أوليفاريس العنيف عند الملك الجديد فيليب الرابع المكانة نفسها التي كان يحتلها دوق ليرما الرقيق عند الملك فيليب الثالث. وامتدت المباحثات بين روبنز ودوق أوليفاريس مما أتاح له أن يصور الملك والأسرة المالكة، وأن ينشئ صداقة وثيقة العرى مع دييجو فيلاسكيز مصور البلاط الجديد، وتطوع بأن يبسط أمامه في مرحلة حاسمة من حياته الفنية أحدث التطورات التي بلغها التصوير الأوربي، كما قام باستنساخ كل لوحات تتسيانو التي كان يحتفظ بها فيليب الرابع، وكانت النتيجة مزيداً من التحرر بأكثر مما شهدته لوحاته المبكرة. وبعد أن قضى روبنز ثمانية شهور في إسبانيا عاد إلى بروكسل عن طريق فرنسا ليشهد من جديد لوحاته التي رسمها لماريا ده مديتشي وقد استقرت نهائياً بقصر لوكسمبورج. وفي عام 1629 ارتحل في مهمة دبلوماسية إلى بلاط الملك تشارلس الأول الذي اكتشف فيه روبنز حسّاً جمالياً رفيعاً مرهفاً. وبلباقته وسلوكه ودرايته الواسعة بالفنون استحوذ روبنز على تقدير الجميع، فعاد بشهادة دكتوراه فخرية من جامعة كمبردج كما نال أعلى الأوسمة، وظفر بتكليف فني ينطوي على تحد شديد لقدراته، وهو زخرفة سقف قصر الحفلات العظيم الذي شاده المعماري إنيجو جونز في هوايت هول بسلسلة من اللوحات تتناول موضوعاً لا يقل صعوبة وإثارة للحيرة عن موضوع تخليد حياة ماريا ده مديتشي، وهو تخليد عهد الملك جيمس الأول الراحل. ولا نزاع في أن الإلمام بجهود روبنز كدبلوماسي وكرجل بلاط هو ضرورة لإدراك الروح التي أملت عليه رسم لوحته الرمزية “السلم والحرب” (لوحة 469)، حيث نرى رمز “السلام” في الوسط تعصر ثديها طلباً لغذاء الطفل الرضيع بلوتوس Pluto إله الثروة، بينما تحميها منيرفا (أثينه) إلهة الحكمة من بطش مارس إله الحرب الذي يرتدي شكة قتال مدرعة سوداء وتقوم على خدمته إحدى ربات الانتقام. ونشهد كيوبيد إله الحب وهايمن Hymen إله الزواج يحمل شعلة مضيئة وهما يقودان صبيتين نحو قرن الوفرة والرخاء. وثمة فهد مروض وساتير وراقصة تقرع الدف وامرأة تحمل كنزاً يمثّل مباهج السلام، كما نشهد ملاك حب يحمل إكليلا من غصن الزيتون وصولجاناً رمزين للسلام يحوم فوق المرأة رمز السلام. وقد أهدى روبنز هذه اللوحة إلى تشارلس الأول ملك إنجلترا في عام 1630 ربما احتفاء بنجاح مهمته الدبلوماسية في إنجلترا.
والثابت الأكيد أن السلام الذي استتب عام 1630 بين إنجلترا وإسبانيا مردّه إلى الكفاءة الدبلوماسية التي مارسها روبنز في مفاوضاته التي كانت خاتمة مساعيه السياسية. وفي عام 1633 ماتت الأرشيدوقة إيزابيلا، ولم يعد خليفتها الطفل في حاجة إلى خدمات روبنز الذي كان قد ضاق ذرعاً بمكائد البلاط وآثر دفء الحياة الأسرية في حضن الريف الأخضر، ومن ثم اشترى أحد القصور Chateau de steen هروباً من صخب مدينة أنفرس، وفي عزلته الوادعة قضى الساعات الطوال في اكتشاف جمال المناظر الطبيعية الفلمنكية وتصويرها. وعلى الرغم من إصابة يده اليمنى بالتهاب المفاصل بقيت قدراته الخلاقة وإبداعاته المتعددة الجوانب سليمة إلى آخر أيام حياته حتى قضى نحبه في 30 مايو عام 1640 بعد أن هيمن بزخمه الفني على مدى جيل كامل على الحياة الفنية في أوربا بأسرها. وكان في عمله مثلما كان في مسلكه يدرك الحدود الفاصلة بين المتناقضات أو الأضداد، فكان مسيحياً استجاب بكل كيانه لحضارة العالم الوثني القديم، وكان كاثوليكياً فتح له البروتستانتيون قلوبهم، وكان بورجوازياً صادق الملوك والأمراء، وكان أوربياً شمالياً استوعب حضارة البحر المتوسط وتمثلها، وكانت حيويته الفيّاضة المتدفّقة لا يباريها غير صفاء ذهنه. ولقد أبدع روبنز في حياته لوحات يزخر بها عصر الباروك لما انطوت عليه من طاقات تموج بالطموح الفائق الذي لا يعصمه غير موهبة فنان مقتدر. واستطاعت عناصر لوحاته المترابطة الأجزاء والتي تتغنّى جميعاً بنشيد تمجيد الحياة أن تنقل إلينا بنبضها الدافق تلك القوى المصطخبة المتفجّرة التي يخضع لها كل شيء، تتدفّق بلا انقطاع في اندفاع جارف عام للفرشاة على سطح اللوحة وكأنها تركض وتقفز في كافة أنحائها في وقت واحد. فلقد كان اللون قبل خادماً للواقعية يحدد هوية الأشكال المصورة، شأنه شأن الضوء الدال في الصورة، ثم ما لبث اللون أن غدا عنصر التصوير الأكثر استقلالاً عن الواقعية، فعلى حين أن الشكل والكتلة قابلان للقياس ويمكن التعبير عنهما بأبعاد ونسب محددة، فإن اللون عصي على التقييم بوصفه لوناً إلا من خلال الحس، اللهم إلا إذا كان محدوداً ضمن حدود خطّية جليّة.
وتكشف لنا تصاوير روبنز عن عالمه المرئي في وضوح وقوة، ذلك أنها تحتشد بادئ ذي بدء باللون الأحمر القاني المسيطر الموحي على الفور بالدماء الدفاقة مثلما رأينا في لوحة شمشون ودليلة (لوحة 472) وبالأجساد المتناكبة والحيوية النابضة فضلاً عن تلك التموّجات المدوّمة الشبيهة بالسيل العاتي، والتكوينات الفنية القائمة على الخطوط المفعمة بالطاقة تبث إيقاعها الصاخب في الفراغ المصور. ثم هناك الموضوع المصور ذاته من إنسان ونبات وحيوان، تنبض جميعاً بقوى طاغية من أجساد نسائية شبقة ينبثق عنها كل ما يحرّك الرغبة، وأجساد ذكور مفتولة العضلات. فكل شيء في صوره تغمره الحيوية، وكل شيء يستجيب لشهوات الحياة العارمة ويزدري كل ما هو غير واقعي في الحياة، على نحو ما نرى في لوحة “سوسنة وشيخا السوء33) قصة سوسنة أو شوشنة جاءت في أحد الأسفار المنحولة في العهد القديم. ويقال إنها بينما كانت عارية في حمامها وقع عليها نظر شيخين حاولا استدراجها للمضاجعة فأبت، ومن ثم ادعيا زوراً أنهما قد رأياها ترتكب الزنا مع أحد الشبان في البستان فصدر الحكم بإعدامها. غير أن النبي دانيال كشف عن براءتها حين استجوب الشيخين كل واحد على حدة عن نوع الشجر الذي جرت جريمة الزنا في ظلاله، وإذ اختلفت رواية كل منهما اتضحت براءة سوسنة [م. م. م. ث]. ” (لوحة 470) ولوحة “أنجيليكيا والناسك” (لوحة 471) المحفوظة بمتحف تاريخ الفنون بفيينا، والتي اقتبس اسمها عن رواية “رولان غاضباً” Roland Furieux لأريوستي. فقد كان ثمة ناسك معروف بأنه زير نساء رغب في أن يقع على أنجيليكا فأصابها الذعر حتى أغمي عليها، ولم ينل منها مراده، وجرت العادة على تصوير الناسك وهو يحاول أن ينزع عن الفتاة رداءها. وكان روبنز قد كتب مقالاً عن “محاكاة التماثيل الكلاسيكية” أشار فيه على المصورين أن ينهجوا نهج المثّالين، فيشكلون اللحم الحي بديلاً عن الحجر. وفي الحق إنه ليس مثل روبنز باستثناء تتسيانو ثم رينوار فيما بعد من مجّد جسد المرأة بمثل هذه الحسية المتفرّدة.
وإذا كان برويجل قد أوحى بفكرة “السرعة” كما رأينا في لوحته “السفينة الغارقة” (لوحة 436) مستوحياً ميكلانجلو وتنتوريتو رائدي تصوير الباروك الإيطالي، فقد مضى روبنز إلى أبعد مما ذهب إليه برويجل فأدخل “الحركة” على عناصر التكوين الفني ذاتها. وحتى عصر روبنز لم تكن الخطوط سوى تعبير عن حد دائري يحاول إضفاء الجمال على النموذج المصور، وإذا روبنز لا يحتفظ إلا بالإيقاعات المتموّجة للخطوط التي تسجّل حركات النماذج المصورة وإيماءاتها، وكانت الألوان وسيطاً أكثر ملاءمة لتسجيل مثل هذه الحركة من الخط وحده. وفي هذا المجال أيضاً لعب برويجل دور الريادة بينما جعل روبنز من حركة الفرشاة سجلّاً للعمل الفني الخلّاق وشهادة تصويرية لقوة هذا الخلق وما يتضمنه من عناصر وجدانية. كذلك أصبح تكوين الصورة هو الآخر حركياً، فبعد أن كان في الماضي بناء مكوّناً من خطوط ولا يعتمد إلا على الخطوط فحسب، ما لبثت الخطوط أن اكتسحت التكوين بحركتها فغدت خطوطاً مشحونة بالطاقة، ناجمة عن قوى متعددة تندفع عبر اللوحة كتيارات المحيط حتى نكاد نتخيل إمكان قياس قوة اندفاعها وتتبع سرعتها. وفي الحق إن الصورة لا يتحرك فيها شيء، ولكنها العين هي التي تتطلع إليها محملقة في سلسلة من الحركات يتراقص البصر معها تنقّلاً وتجوالاً، وما يلبث الخيال الذي يستثار في أعقاب الرؤية أن يلهث مبهوراً وهو أسير قوى كامنة في الصورة، جيّاشة نابضة بالحياة.
وفي لوحة “عواقب الحروب أو رمز الحرب” (لوحة 472، 473) التي اعترف روبنز بأنه استوحى موضوعها من مطالعاته لفرجيل ولوكريشيوس، نرى مارس إله الحرب مغادراً معبد يانوس(82) Janus أحد آلهة إيطاليا القدماء وحارس الأبواب والنوافذ ورب البدء، مثل الشهر الذي تبدأ به السنة وهو يناير المشتق من اسمه Januarius، وكذا بدء الشهر وبدء الساعة وبدء الخلق. ويروي فرجيل أنه كان ملك لاتيوم الذي شيد قلعة جانيكولي فوق التل المعروف باسمه في روما. ويمثل دائماً ذا وجهين، كان أحدهما أولاً ملتحياً والآخر حليقاً رمزاً للشمس والقمر، ثم أصبح فيما بعد هذان الوجهان ملتحيين، وفي يمينه مفتاح وحين سكّت النقود صوّرته بوجهين مستديرين. [م. م. م. ث]. مهدّداً بالويل والثبور، تستحثّه ألكتو Alecto البشعة الوجه ربّة النقمة والغضب على شن الحرب وخوض القتال، في حين تحاول فينوس العارية بمعاونة أحد ولدان الحب ثني عزيمته دون جدوى. ومن وراء فينوس امرأة تجسد أوربا الشقية بحروبها. وإلى يمين ألكتو وحشان يجسد أحدهما الطاعون والآخر المجاعة. ومن ورائها على الأرض ثلاثة شخوص أحدها امرأة تحمل عوداً محطّماً تمثّل الوفاق، وثانيها امرأة مذعورة تحمل طفلاً باكياً تجسّد الأمومة والخصوبة، وثالثها معماري يحمل فرجاراً يرمز إلى التعمير بعد الدمار. وهي من غير شك صورة رمزية أتاحت لروبنز الفرصة كي يستعرض ملكاته لإبداع أحد روائعه في المرحلة الأخيرة من حياته.
ونحن نستطيع إدراك كنه الحركة من خلال رقّة لمسات الفرشاة أو عنفها. فهناك بعض التصاوير تفتقر إلى الحركة كأنها سطح بركة ساكنة ينعكس عليها الضوء ولا يعكر صفوها شيء، وهناك صور أخرى تضفي لمسات الفرشاة عليها رقة تنهدة يئن بها الصدر، وثمة نوع ثالث من الصور تبدو اللوحات فيه كأنّها تتفجّر بما تضمّه مثلما ترتج الأرض بالزلازل، وثمّة نوع رابع من التصاوير تغلي وتفور بما يصطخب في أعماقها من دوامات وتيارات مصطرعة. والمعروف أنه لا يمكن الفصل بين سرعة انطباع الصورة وبين الإيقاع الكامن فيها، فلقد كان هالس وروبنز من أسرع المصورين في تسجيل انطباعهم، إلا أن هالس تميز بالاندفاع والحركة المباغتة على حين كان روبنز كالموجة تغمر كل ما يصادفها، فلكل مصوّر حركاته التي يتميّز بها عن غيره فتتنقل إلى عيون النظارة متعة من الكمال الفني تبدو وكأنها خلت من أي جهد مفتعل شاق. فالفن الرفيع يوحي ويشي ويهمس ويسر ويسري ويوشوش منسرباً إلى أعماق الوجدان في عفوية ويسر، وهو حال من الوجد الصوفي تتناغم فيها العذوبة والعذاب. وقد يكون البناء العام للتكوين الفني متحرّكاً “ديناميكياً” أو ثابتاً “استاتيكيا”، وليس من المحتم أن تكون خطوط البناء العام هي نفس الخطوط التي تحدد الشكل، بل قد تكون الخطوط التي تحدد اتجاه القوى التي يوحي بها الحدث المصور هي التي تحدد الشكل. وهذه اللوحة مثال للتكوين الحركي المجتاح الذي يبدأ من يسار اللوحة بحركة فينوس وهي تحاول إيقاف مارس دون أن يلتفت إلى توسّلاتها، فتجد نفسها مندفعة في إثره.
ولا يكتفي روبنز بهذا فيروح يؤكّد هذه الحركة الجانبية بحركة أخرى رأسية لتنتقل محاور الشخوص في اللوحة من الرأسية إلى الأفقية، فإذا الحركة – التي تشكل قاعدة العمود في الركن الأسفل الأيسر مركزها – تأخذ شكل المروحة بينا تنبسط، ويبدأ الانتقال من الاتجاه العمودي بالمرأة التي تجسّد أوربا وهي ترفع ذراعيها يأساً. ويزداد هذا الاتجاه وضوحاً في فينوس وفي مارس الذي يتخلّص منها مبتعداً، وتشكّل ذراعه التي يرفع بها درعه الخط المائل، على حين تشطر ألكتو زاوية اللوحة. وتكاد سحب الدخان ومجموعة الأمهات المذعورات التي تنتهي بالمعماري المنبطح في الركن الأيمن الأدنى تتخذ اتجاهاً أفقياً. وعلى حين تختتم الحركة الأولى باندفاعة إلى أعلى تختتم الحركة الثانية بالسقوط إلى أسفل موحية بالموت.
وإذ كان الخط المنحني هو أقرب الخطوط إلى تجسيد الحياة فقد استعذب روبنز الخطوط المنحنية فجعلها محور تكويناته، غير أنه حرص على ألا تكون منحنياته جامدة مغلقة الاستدارة حتى لا يتسرب إلى المشاهد ملل الدوائر المغلقة الموحية بالثبات وبالحركة المقنّعة، فإذا هو يرسم منحنياته فسيحة حلزونية غير منتظمة لتوحي على الدوام بأنها أشكال آخذة في الاتساع والدينامية، مثال ذلك لوحة “العذراء وطفلها بين صغار الملائكة” بمتحف اللوفر (لوحة 474) حيث نكتشف أن يدي العذراء هما نقطة انطلاق لمنحنى لا يكفّ عن الاتساع، ينطلق خلال جسد يسوع الطفل، ثم يستمر عبر الملائكة الصغيرة اللاتي يرفعن التاج فوق رأس العذراء، ليستعيد انطلاقته من جديد عندما يدور حول مجموعات الأطفال المتحلقة إلى أن يفلت من حدود اللوحة عبر فراغ الركن الأعلى الأيسر. ويقال إن روبنز قد استوحى موضوع هذه اللوحة من الأسطورة اليونانية القائلة إن طريق المجرة قد تشكل في الفضاء من قطرة اللبن الإلهي المنبثقة من ثدي الربة هيرا زوجة زيوس كبير الآلهة.
كذلك تكشف لوحة معركة الأمازونات (لوحة 475) عن منحنيات وأقواس متحلّقة تدور في حركات سريعة متعاقبة حول محاورها متماوجة فوق سطح اللوحة. ويبدو أن الفنان قد قصد أن يذكّرنا بالشكل الهندسي الثابت حين تعمّد رسم قوس الجسر، ليجعل في مقابله حركة الخيل المنقضّة. وتكمن المفارقة في أن اندفاعها للأمام يتجلى من خلال وضع الثبات المتكرر الذي اتخذته الجياد أثناء انتصابها على قوائمها الخلفية تمهيداً لكبوة الجواد الذي سقط راكبه في أقصى اليمين بعد أن استنفذت موجة الحركة جميع قواها. ويكاد الموضوع المصوّر برمّته يزحف في أعقاب هذه الحركات المنحنية المقوّسة التي تتأبى على استكمال شكل الدائرة. كذلك كان روبنز يلجأ إلى التوزيعات الفنية المائلة حين يقصد الإيحاء بعدم الاستقرار، حتى أننا نراها في لوحة “رفع الصليب” (لوحة 476) تؤازر الجهد العضلي الشاق الذي تبذله الشخوص في رفع الصليب وفوقه المسيح.
ويعرف الفنان حق المعرفة أن العناصر التي يختزنها في ذاكرته وتلك التي يستعيرها من الطبيعة وأدوات إنجاز عمله الفني تتيح له حين تجتمع كلها في لوحة مصورة أن ينقل إلى غيره الأحاسيس التي يبغي تحريكها في نفوسهم. غير أننا على حين نجد فناناً مثل “بوسان” يضع مسبقاً تنظيماً دقيقاً محدّداً يهزّ به أعماق المشاهد، يكتمل مثل هذا التنسيق تلقائياً دون وعي عند روبنز.
وهنا وهناك ترتسم معالم شخصية الفنان، فعلى حين يحرص بوسان على التعبير عن عواطف بذاتها تجيش بين جوانحه ويصبو إلى نقلها إلى لوحاته، يبسط روبنز كيانه كله على لوحاته. وهكذا تلتقي التلقائية والوعي في الإبداع الفني، غير أن كلاً منهما يسهم بنصيب يختلف باختلاف الفنان، على نحو ما نرى في لوحتيهما “اختطاف السابينات” (لوحة229) و(لوحة 477) على سبيل المثال. فيكشف لنا الفحص الدقيق للوحات روبنز عن وحدة خفية وتناسق سحري آسر لكأن عالمه يخضع لقوانين مكنونة صارمة يصعب تحديدها ويتعذر علينا اكتشافها. فثمة نهج خاص به ينسق الأشكال والكائنات ويحدد الزمان والأعمار والفصول والمواسم لا نملك إلا أن ندعوه نهج روبنز، يغدق علينا فيضاً لا ينضب من كنوز الطبيعة الوفيرة وعطاياها الثرة. وعلى حين تلفتنا غزارة الثمار في لوحات روبنز فإننا نلحظ ندرة ما تضمّه من زهور، إذ يبدو أن أريج الزهور لم يكن يشدّ هذا الفنان الذي كان يفضّل رسم الثمار الناضجة يشكّلها في عناقيد وأكاليل تزخر بها لوحاته، كما أنه عادة ما يكون ضوء روبنز هو ضوء الظهيرة في رائعة النهار، وموسمه هو الصيف حين تبلغ ثماره النضج توطئة لجنيها في الخريف.
وكان روبنز يستعير عناصر تكوينه الفني من الحياة سواء تناول موضوعاً دينياً أو دنيوياً، مجنّباً تصاويره كل ما يباعد بين الصلات، مؤثراً أن تتوحّد الأشكال كلها في قوّة محرّكة واحدة شبيهة بتلك القوة التي تدفع أمواج السيل إلى التعانق والتعاقب كل منها إثر الأخرى، حتى لتملك لوحاته المترابطة الأجزاء أن تنقل إلينا تيار الحياة الدافق، على نحو ما نرى في لوحة “ربات الحسن يحطن بربة الطبيعة” (لوحة 478)، وفي لوحة “عيد فينوس” (لوحة 479) التي كانت زوجته هيلينا فورمان فيها مصدر وحيه، وكانت هي نفسها النموذج الذي احتذاه الفنان حين رسم الحورية في أقصى اليسار، فنرى ولدان الحب يتسلقون الأشجار ويتدلون منها ويتواثبون في كل مكان خلال هذا الاحتفال الماجن، كما تتبدى أيدي الحوريات والساتير وهم يرقصون في أقصى يسار الحديقة اثنين اثنين رقصة عارمة محمومة، ينصهرون ويذوبون معها دفئاً ونعومة ومجوناً نكاد ندركها لمساً.
ويصافحنا الثراء الباروكي الطليق مرّة أخرى حين نتأمّل إلى لوحاته في أخريات أيامه وهي “حديقة الحق” (لوحة 480) التي تقع أحداثها في حديقة قصره بأنفرس، الذي ما يزال مدخله المزين بالزخارف المعمارية قائماً حتى اليوم. ويتجلّى موضوع الحفل الماجن في خط مائل يبدأ من ملاك الحب الريان في أدنى يسار اللوحة، كما نرى روبنز نفسه يدعو زوجته هيلينا فورمان – التي ظهرت في العديد من لوحاته اللاحقة – للانضمام إلى الضيوف في حديقة الحب. وتكشف بقية اللوحة عن سلسلة من الحلزونيات الصاعدة والهابطة صوب فينوس التي تشرف على الحفل من فوق النافورة. ولكي يضفي الفنان الحيوية على المشهد ويجسّد البناء التصويري غمر مساحات واسعة من اللوحة بألوان أصلية ساخنة منها الأحمر والأزرق والأصفر. وإذا كان روبنز قد جمع في هذه اللوحة بين ألوان تتسيانو الفياضة والتوتر الدرامي لتنتوريتو، فقد أضاف إليهما طاقة بلا حدود ونبضاً تفرّد روبنز وحده بإبرازه هو نبض الحياة الحقيقية الذي يفيض في شرايين كل فن جيّاش رفيع.
ومن بين مشاهد المجون والعربدة التي ولع روبنز برسمها مشهد سيلينوس العجوز راعي الإله باكخوس نشوان ثملاً خلال حفل الباكخانال، وقد احدودب ظهره حتى كاد يسقط فاتكأ على اثنين من الساتير والحوريات يشاغبنه فيطاردهن، ويهربن منه ثم يعدن يعاكسنه، وحين يسقط فوق الأرض تهلّل جوقة الساتير والحوريات من حوله: قم: انهض يا أبانا سيلينوس(83) انظر أوفيد. فن الهوى. ترجمة كاتب هذه السطور. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الطبعة الثالثة 1992. . ولا تخلو اللوحة من بعض لفتات روبنز المميزة وسماته من أجساد عارية ومختلف أنواع الثمار والفاكهة، كما نلمح في أقصى يمين الصورة وجه زوجته الأولى إيزابيلا براندت (لوحة 481).
وفي لوحة أرتميس (ديانا) نشهد ربّة الصيد العذراء وربّة الخصوبة والحياة والإنجاب تتجول في الغابات والسهول والتلال تحمي الحيوان وترعى الصيادين وتحنو على النبات والحيوان، وتحتشد اللوحة كعادة روبنز بالطير والحيوان والثمار دون الزهور (لوحة 482). وفي لوحة “التحكيم” نشهد باريس يقضي بالتفاحة الذهبية جائزة الجمال لفينوس اعترافاً بتفوّق جمالها على جمال جونو ومنيرفا (لوحة 483). وفي لوحة “اختطاف بنات لوكيبوس” نشهد انقضاض اثنين من أنصاف الآلهة هما كاستور وبوللوكس على امرأتين في تكوين باروكي مدوّم واستعراض سخي للبضاضة الأنثوية. ويلفتنا أن الأجساد العارية التي تغطي أكبر مساحة من الصورة والتي تتبدى فيها ثنياتها وغمّازاتها بكل وضوح تكاد تكون هي مصدر الضوء في اللوحة حتى لكأنها نسيج من الديباج (لوحة 484).
وفي لوحة “أركان الدنيا الأربعة” (لوحة 485) تخيّل روبنز لقاء بين شخوص تجسّد قارات أوربا وأفريقيا وأمريكا وآسيا في صحبة شريكات حياتهم وكأنهم جميعاً في رحلة خلوية، وبينما يسترخي الكبار يلهو الأطفال مع تمساح مستأنس. ومع ذلك تكشف هذه الصورة الرمزية الخيالية عن عين روبنز الدائبة السعي وراء التفاصيل الواقعية، فقد كان معنياً على الدوام بتسجيل التباينات اللمسية اللافتة للنظر كتلك التي تتجلى لنا بين نعومة جسد الطفل وخشونة جلد التمساح. ومع أن روبنز قد نقل في الغالب صورة التمساح من أحد الكتب المصورة أو الصور المطبوعة بطريقة الحفر على الحجر فالراجح أنه رسم النمرة وأشبالها نقلاً عن الطبيعة، فلقد حرص دائماً على رسم عجالات للحيوانات التي يحتفظ بها أصدقاؤه الأرستقراطيون في حظائرهم.
كذلك تميّزت تصاوير روبنز بالمسحة الحماسية الملحمية التي تميّزت بها تصاوير ميكلانجلو وإن خلت من انطوائية روحه وافتقرت إلى حسّه بالتزام الحدود. وعلى حين يذكّرنا تنسيقه لعناصر تصاويره في الفراغ وإطلاقه العنان لحرية الحركة بإلجريكو فإن شخوصه تتميز بالقوة والضخامة على عكس شخوص إلجريكو النحيلة ذات الاستطالة المسرفة. وما من شك في أن نجاح روبنز في تصوير الموضوعات الدينية والمشاهد الإنسانية والمناظر الطبيعية فضلاً عن الموضوعات الميثولوجية و”الباكخانالية” التي كانت تلقى هوى من نفسه تكشف عن قدراته التصويرية الغزيرة، فيندر أن نظفر بفنان يبزّه في تنوّع ابتكاراته واتقاد خياله وقدرته المذهلة الخارقة على تحقيق المنجزات العظمى. وليس ثمة فنان عظيم أعطى هذا القدر من الاهتمام لدراسة أعمال أسلافه مثلما فعل روبنز، وكانت النماذج التي أخذ عنها عُراته هي نماذج العصر الكلاسيكي وميكلانجلو وماركو أنطونيو، كما حاكى تتسيانو في ألوانه دون أن يحاكيه في أشكاله، ومنهم جميعاً تعلّم القواعد الصارمة التي ينبغي خضوع تصوير الجسد العاري لها فضمن لأعماله الخلود. لقد ظل يحاكي الأشكال الكلاسيكية وروائع أسلافه إلى أن استقر في النهاية على مثل أعلى للكمال الجسدي أخذ يخضع له ما يصوره من عناصر الطبيعة.
ففي لقائنا مع روبنز نجد أنفسنا في حضرة أستاذ لا يبارى في تصوير “فينوس الدنيوية” التي تفور فيها الحيوية ويتدفّق الحماس وتتجلّى دقّة التنفيذ. وإذا كان البعض قد قَصُر عن فهم روبنز فاتهمه بالابتذال والتخصّص في تصوير النساء المكتنزات، فمردّ ذلك إلى عدم فهم هؤلاء لطبيعة روبنز وما تحلّى به من انضباط فنّي ارتقى به إلى مكانة الأستاذ المتفرّد. وهو ما يتجلّى في مقارنته بمعاصره جاكوب جوردانز الذي قد يبدو لأول وهلة مشابهاً له، غير أننا ما نكاد نتطلّع إلى أعماله حتى تتكشّف لنا نظرته البهيمية إلى الجسد الأنثوي رغم كل ما تتخفى وراءه من جاذبية مظهرية حتى لتبدو لنا نساؤه العاريات سوقيات مبتذلات، فلقد كان روبنز قبل كل شيء أعظم مصور ديني في زمانه حتى ليعجز المشاهد عن التفريق في لوحاته بين الحسية والإحساس الديني اللذين نجح في صهرهما في بوتقة واحدة. وفي لوحة “ربات الحسن الثلاث” (لوحة 486) تترنّم خصلات الشعر الذهبية والأثداء المكتنزة بفكرة “الوفرة” التي يقدّمها لنا روبنز ممتزجة بنشوة ساعة الحصاد، وهو ما يسبغ البراءة على نسائه العاريات اللاتي يمثّلن أكثر عناصر الطبيعة إبهاجاً، بعكس ما تمثّله العاريات الكلاسيكيات العصيات وسط الرعود والبحار مطاردات بنزوات الآلهة الغضبى، بينما لا يهدد نساء روبنز غير انقضاض مفاجئ لأفواج الساتير فيبدون وكأنما يتحرّقن شوقاً إليهم.
لقد كان روبنز حريصاً على رسم شخوص على قدر من الاكتناز، وهو ما فعله فنانو عصر النهضة وإن اختلف نهجه عن نهجهم. فعلى حين كانوا يوحون بثقل وزن المرأة من خلال الأشكال محددة المحيط لإبراز صلابة كتلتها، سعى روبنز إلى تحقيق الغرض نفسه من خلال تراكب الحواف المحوطة والعناية بتجسيم أعضاء الجسد، وهو ما يشحن لوحاته بالامتلاء والوفرة والحركة الدافقة. ولم يكن ذلك عن ولع منه بالنساء المكتنزات فحسب بل وعن تقديره للأثر الجمالي للأجساد البضة. فذلك الإيحاء بالحركة الذي يسري في جذع الجسم الأنثوي الذي بثّه الفنان الإغريقي عبر الأردية اللصيقة الواشية توصّل إليه روبنز من خلال ارتعاشات البشرة المعبّرة عن حالات التوتّر أو الاسترخاء. موجز القول إن فنه لم يتوقف عند حد العناية بالخطوط والاستدارات بل امتد إلى التعبير عن صلابة الجسد المصور وما يغمر سطحه الخارجي من انفعالات. ولقد أخذ البعض على روبنز اهتمامه أكثر من أسلافه بتصوير اكتناز اللحم الأنثوي وملمس البشرة، إذ ساد الفن الأوربي وقتاً ما اعتقاد بأنه كلما كشف الشكل المصوّر عن المكنون الداخلي كان جديراً بالتقدير. لكن هذا المفهوم لم يجد صدى لدى روبنز فانبرى يقدم الأشكال الصلبة والأجساد ذات الوزن الجيّاش بالحركة المتألّقة بالبريق المنعش، وهو ما يتطلب إضافة إلى الحس الرهيف قدرة فذّة على التصوير من خلال الاستحواذ على تقنية عالية، وقديماً اتهم ديدرو المئات من المصورين بأنهم أمضوا أعمارهم دون أن يصلوا إلى الإحساس بروعة “الجسد الأنثوي”. ولعل الأقرب إلى الصواب أن نقول إن المئات من المصورين الذين يحسّون روعة هذا الجسد لا يملكون القدرة على تصويره، ذلك أنه مادة لا نظير لها في الكون كله. إنه نسيج فريد يجمع لونه بياض اللبن وحمرة الورد، ويرقّ ملمسه عن الحرير والمخمل، ترتشف بشرته قطرات الضوء المتساقط عليه وتحيله وهجاً يجتذب إليه العين والوجدان، فإذا مشاهده أسير فتنته الهادئة الطاغية. من أجل ذلك كله كان تصويره مشكلة عصيّة عكف كل مصوّر نابه على محاولة الاهتداء إلى حل لها من خلال استخدامه العجائن اللونية اللزجة التي تجري بها فرشاته. ولعلّه لم يتح لغير ثلاثة من المصورين فحسب أن يكونوا على ثقة بما حققوه في هذا المجال وهم تتسيانو وروبنز ورينوار.
وفي النهاية فإن عظمة روبنز لا تكمن فيما حقّقه من تقنية فنية بقدر ما تكمن في اقتدار خياله، فلقد تناول جسد الأنثى الممتلئ الرخي الريان المتشح بالثياب فأحاله بخياله نمطاً أنثوياً فريداً دون التضحية إلا بأقل القليل من معالم واقعه الحسّي خلاصة القول إن روبنز قد أدّى للجسد النسائي العاري ما أداه ميكلانجلو لجسد الرجل العاري.

روبنز: الطفل والعصفور. متحف برلين.

روبنز: تقديم المجوس الهدايا للمسيح الطفل. متحف أنفرس.

روبنز: صورة ذاتية للفنان. متحف تاريخ الفنون بفيينا.

روبنز: طعنة الحربة في جنب المسيح. متحف أنفرس.

No comments:

Post a Comment