Tuesday, 5 December 2017

الصامتة والمعطلة البصر وذات الذراع الفضية

الصامتة والمعطلة البصر وذات الذراع الفضية

الصامتة والمعطلة البصر وذات الذراع الفضية

اوحاها الى صديقته ديانا احمد. صديقها احمد حسن محمد احمد بن تحتمس ابو خوفو الكمتى سمسم المسمسم رسول روح العلمانية امون رع واولاده يهوه ويسوع والله واودين وكنفوش وبهاء الله وطاووس ملك وبراهما واهورامزدا وجوبيتر وزيوس الخ.

اخذ زير النساء السبعينى يتذكر اهم تجاربه ومغامراته مع النساء. وفتح عقله دفتر مغامراته وقد بلغ السبعين من عمره اليوم فى عام 2021. كانت اهم مغامراته هى مغامراته مع ثلاث نساء. خرساء واخرى عمياء وثالثة ذات ذراع واحد وذراعها الاخرى بلاستيكية ميكانيكية يمكن خلعها او تركيبها حسب ارادتها. ولها يد شبيهة بلون وشكل اليد الحقيقية.

حكاية الخرساء

كانت نجوى فتاة خرساء منذ ولادتها. وكانت تتعامل طيلة اليوم بلغة الصم والبكم وتأوهات واشارات بيدها وفمها. كلما كان أحمد يشاهدها وهى تكنس محل العطارة الذى تعمل به. كان يقول: يا لحظ من يتزوجها. امرأة لا تتكلم. حظه حسن بالتاكيد. فلا شجار ولا صوت عال. كان يتابعها منذ طفولته حين كانت يتيمة تربيها الراهبات فى دار الايتام. حيث علموها هناك القراءة والكتابة. واثبتت نجوى انها فائقة الذكاء رغم خرسها. كانت جميلة وجذابة. وزادها خرسها جاذبية لدى احمد.

كان الناس يكتبون لها طلبات العطارة فى ورقة وتحضرها لهم. اما احمد فتعلم لغة الاشارة خصيصا من اجلها. كان احمد طالبا فى الجامعة انذاك.

كان ذلك فى فترة الستينات من القرن العشرين فى القاهرة مصر. كان العطار شيخا كبيرا وقد تبنى نجوى منذ بلوغها الثانوية العامة حيث راها فى احدى زياراته الى دار الراهبات للايتام حيث كان يتبرع للدار باستمرار واحيانا يزورها ليتابع حالة الايتام. فلفتت نجوى نظره بخرسها وبذكائها وفضوليتها. وخطها الجميل حين تكتب اسئلتها او اجوبتها على الناس ممن لا يتقنون لغة الاشارة. واحبها حب الاب لابنته. فقرر هو وزوجته تبنيها. كانت نجوى تشبه سمية الخشاب كثيرا. فى الشعر والقوام. ولكن بملابس الستينات. وكانت مراهقة اصغر من احمد بثلاث سنوات. وكان احمد ايضا يزور دار الايتام المسيحية منذ سنوات حيث كان اسلوب المعلمين مع الايتام يشبه كثيرا كرتون جنى او نوار لمن يعرفه. والمستوحى من رواية نساء صغيرات الجزء الثانى اولاد جو. وكان احمد يحب التعلم والتعليم كثيرا فكان يحضر بعض دروس الدار. واسترعت نجوى انتباهه لفطنتها وذكائها رغم عقبة الخرس. وكانت سريعة الاستيعاب وكثيرة الاسئلة. فضولية جدا لتعلم كل شئ.

تردد احمد كثيرا على محل العطارة يتذرع باى طلب من اجل ان يلتقى بنجوى ويراها. كانت محبوبة من اهل الحى لجمالها وطيبتها اضافة لشفقتهم عليها وعلى شبابها بسبب خرسها. طلب منها بالاشارة ثمن كيلوجرام من القرفة. فاعربت بالاشارة ايضا عن استغرابها لانه طلب نصف كيلو قرفة منذ اسبوع فقط. وهى تعلم انه اعزب هو وزملاؤه الذين يعيش معهم حيث انه من المنيا اصلا وجاء الى القاهرة منذ انهائه الشهادة الاعدادية. ترك اسرته وقرر الاقامة بالقاهرة لحبه الشديد للمدينة وقراءته عنها وحكايات من زاروها عنها وانبهاره بها. جاء ليقيم ها هنا فى حى الجمالية. وخلال تجواله فى الحى عرف عن دار الايتام وتابع نجوى منذ عمرها اليافع وعلم بتبنى العطار القريب من منزله ومنزل اصدقائه لها.

اشار الى نجوى يسالها عن يوم اجازة لديها ليتنزها معا. احمر وجه الفتاة قليلا خجلا واشارت انه لا يمكن الخروج معك يا سى احمد. كلام الناس. وابى سيتضايق من تصرفى. لكن احمد الح عليها بالاشارة. اشارت اليه نجوى انه حسنا ساتنزه معك غدا. غدا ساترك المحل لساعتين وادع راشيل ابنة جارتى تتولى مكانى. انها فتاة امينة وتحب العمل معى وتحبنى.

ضحك احمد. وامسك يدها فسحبتها بسرعة وخجلت. ثم انصرف وودعها ملقيا عليها التحية

صعد احمد الى منزله العتيق. عبر السلالم الرخامية الغاطسة لاسفل من وسطها قليلا. وفتح الباب. فالتقاه صديقاه وزميلاه اللذان يسكنان معه فى هذا المنزل. وقالا معا فى صوت واحد. اهلا يا روميو. اخبار الجو ايه. قال لهما احمد. تمام وبتسلم عليكم يا صيع. قال احدهما. يعنى يا احمد ما لاقيتش الا واحدة خرسا تحبها. قال احمد. يا غشيم هو فيه احسن من ست خرسا. لا هتتخانق معاك ولا تزعق ولا تعلى صوتها ولا تتفرعن ولا تفترى عليك. بيتكم يبقى هادى. وتبقى هى ممنونة ومتواضعة دايما معاك لانها مش اخرس واتجوزتها. قال الاخر. فعلا عندك حق. اغلق احمد البابين الخارجيين للمنزل تلك الابواب الخشبية ذات الشراعات الزجاجية والمنقوشة بقضبان فنية حديدية بيضاء تصل الى نصف الباب. وجلس الى المائدة الدائرية البنية اللون شبه الشفافة ذات الكراسى. ثم لما انهى كلامه مع صديقيه. نهض واتجه الى غرفته ذات البابين الخشبيين والسقف العالى ككل المنزل. وتجرد من قميصه وبنطاله وحذائه وجوربه. وارتدى بيجامته الكستور وشبشبه.

ثم خرج اليهما وقال. ثم دى احلى من نجوى فؤاد وسهير زكى وسعاد حسنى ونجاة الصغيرة ونادية لطفى و.... قال احدهما. حيلك حيلك ايه ده كله. صحيح الحب اعمى. خلاص يا عم ربنا يهنى سعيد بسعيدة. احنا نازلين شوية. قال لهما. على فين العزم. قال الاخر. ما احنا كمان بنحب ولينا جو زيك. بس بنات بتتكلم بقى. مش سكتم بكتم. انا عارف جاى عليك بايه ده. نهايته. سعيدة يا ابو حميد.

وفى تلك الليلة مساء سمع احمد بعض الموسيقى الصادرة من اسفل المنزل ليست قريبة ولا بعيدة. فقرر بدافع الفضول ارتداء ملابسه والنزول. نزل احمد ووجد سرادق مصريا صميما احمر اللون ومزركش بالابيض والاصفر بالوان صنعة الفراشة .. كان زفافا. فدخل وجلس وشاهد العريس والعروس جالسين وحولهما اعلام مصر الجميلة بالاحمر والابيض والاسود والنجمتين الخضراوين انذاك. والمغنى يغنى والراقصة ببذلة رقص كاملة كبذلات نجوى فؤاد او سامية جمال او سهير زكى او تحية كاريوكا او نعيمة عاكف. ترقص اجمل رقص. فتش فى الجالسين والجالسات. فوجد صاحبته نجوى الخرساء جالسة على مقربة منه. استاذن رجلا جواره ليجلس مكانه ويتبادلا الاماكن. فوافق. وجلس احمد جوار نجوى ذات الفستان الستيناتى ذى الجيبونة كالمروحة. ووضع يده حول قفاها وكتفها واشار بيده الاخرى ان مرحبا نورت الفرح. اشارت بخجل بنورك.

اشار اليها احمد مرة اخرى. ازيك يا مدموازيل نجوى. ضحكت واشارت. كويسة يا استاذ احمد. وحشتنى. وضحكت. اشار. ايوه كده اتكلمى براحتك. احبك يا ابيض يا جرئ انت يا فاجر. محدش بيفهم لغة الاشارة غيرى انا وانتى بس هنا هاهاها. ضحكت معه.

ثم سالها بالاشارة. وعاملة ايه فى سنة اولى كلية الطب. اشارت. كويسة. اشار. لو صعبة عليكى اشرح لك. ضحكت واشارت. وانت هتعرف تشرحلى ازاى وانت فى كلية الاداب. اشار. مانا كنت علمى فى الثانوية. ضحكت واشارت. لو احتجت مساعدتك مش هاسيبك الا لما تشرحلى. وانت عامل ايه فى الكلية. اشار. تمام. هتخرج السنة دى عقبالك. اشارت. ميرسى. اشار. وعقبالنا بقى لما نكون زى القاعدين فى الكوشة. خجلت وسكتت ولم تشر اى اشارة. ولكنها نظرت اليه نظرة فيها كل الاجابات. ثم اشارت. ماتيجى الليلة تتعشى معانا. بابا وماما عازمينك عالعشا. اهو تاكل لك اكلة سخنة بدل اكل العزاب ده. اشار. انتى اللى عاملة الاكل. اشارت بخجل. ايوه صنعة ايديا وحياة عينايا. اشار. يبقى خلاص انا طالع معاكى. ولما انتهى الزفاف صعد احمد معها. كانت شقة اسرة نجوى المتبناة نظيفة ومرتبة تلمع ومليئة بالاثاث البسيط والجميل على عكس شقة العزاب غير النظيفة وغير المرتبة وقليل الاثاث والتى يعلقون فيها ملابسهم على المسامير او يلقونها فى كل مكان. ولكنها بنفس المساحة الواسعة والسقف العالى والبابين الخارجيين والشراعات الزجاجية والقضبان الفنية الحديدية. لكن جدرانها نظيفة وخزانة الملابس البنية فيها لامعة والمرآة قرب عداد الكهرباء لامعة ونظيفة.

جلس احمد الى المائدة بعدما رحب به والدا نجوى. وابن والديها الطالب بالثانوية العامة. والذى كان يحبها من طرف واحد. وتناول الطعام وتبادل اطراف الحديث مع العطار وزوجته. ثم صبت له نجوى الشاى من البراد الحديدى الكروى الصغير. كان احمد نافذتها على عالم المتكلمين. وكان يجلس معها كلما سنحت له الفرصة وتوفر لهما الوقت. كانت تحب كلماته المكتوبة ووصفه للعالم من حولها كما كانت تحب اشاراته. اشارت نجوى اليه انها قررت لقاءه من الصباح غدا فى المنيل عند كليتها كلية الطب.

فى الصباح التالى ذهب الى الجامعة وتأمل برج الساعة واستمع إلى دقاته كأنه يراه ويسمعه للمرة الاولى. وتأمل قبة الجامعة ومبنى كليته كلية الاداب العريق والأشجار فى سعادة. انتهى من محاضرتين سريعتين. ثم انطلق عبر تمثال نهضة مصر وحديقة الاورمان وكوبرى الجامعة واتجه الى المنيل حيث تنتظره نجوى عند كورنيش النيل. لثم يديها وخدها فخجلت. وجلسا متجاورين على الاريكة الحجرية البيضاء. كانت نجوى ترتدى احدث الفساتين على الموضة مثل صباح او سعاد حسنى او ايمان او شويكار. لم يكن ابوها وامها يبخلان عليها فى شئ. كأنما كانا يعوضانها على اليتم والخرس. وكان شعرها اليوم مصففا كتصفيفة شعر صباح. كانت نجوى تحب ان تغير تصفيفة شعرها كل اسبوع مثل تصفيفة احدى الممثلات المصريات او الامريكيات المشهورات فى هذا الوقت. وكذلك تحب احيانا تغيير لون شعرها الى الاشقر او الكستنائى. كانت واحمد يحبان عبد الناصر ويؤمنان بكافة افكاره وافكار ثورة يوليو 1952. ماعدا موقفه من يهود مصر والبهائيين والماسونيين ودعمه للازهر. فقد كانا يؤمنان بان الازهر هذا مصدر ظلامية وقمع وتخلف وارهاب كبير. وقد ثبت مستقبلا صحة توقعهما. كما كانا يكرهان السادات وميله للاخوان واطلاقه يدهم فى مصر مما ادى لانتشار الحجاب والسلفية واللحية والتطرف الاسلامى السنى الشديد كما نرى اليوم باواخر عهد مبارك وفى عهد السيسى. اشار لها احمد. اه لو تعرفى بحبك قد ايه. قلبى بيدق اوى اوى هتموتينى يا نجوى. اشارت له نجوى قلقة. لا لا اهدا يا احمد. انا ليك ومعاك على طول. متقلقش نفسك كده. بعد الشر عليك انشالله انا. اشار لها. كده تبقى عايزانى اموت فعلا. ربنا يخليكى ليا يا حبيبتى. وميحرمنيش منك ابدا. ثم اشار لها. يلا بينا نروح الكازينو شوية ونرقص. وبالفعل نهضت معه نجوى وذهبا الى الكازينو فى المعادى. حيث رقصا معا وسط الشباب الراقص على انغام الموسيقى الغربية السائدة انذاك. وكان يرتدى بذلة على طراز الستينات. وضمها احمد بشدة الى صدره كأنما يخشى أن يفقدها. وأخذا يتأملان الأعمدة والستائر واللوحات والموائد من حولهما والشباب والشابات امثالهما. والثريات فوقهما. شعرا أن العالم كله فرح من أجلهما ويتلألأ ويتألق. ثم ذهبا لمشاهدة احد افلام عبد الحليم حافظ الرومانسية فى السينما. وشاهدا فيلما تاليا لصباح ايضا. عادا بالحافلة الاوتوبيس الى شارع القلعة محمد على. وتمشيا الى الجمالية من المغربلين. وشكرت نجوى راشيل ابنة جارتها. كانت راشيل ايضا بارعة الجمال تشبه كثيرا الفنانة نجوى سالم. وكانت تعجب احمد ولا شك. لكنه قرر الا يشاغلها حاليا الا بعد زواجه بنجوى. كانت طماعا فى حبه للنساء. ولكنه كان انتقائيا ايضا يحب المثقفات والجميلات ويفضلهن غير مسلمات او مسلمات لكنهن غير مهتمات بالاسلام ولا مباليات به. كان ربوبيا علمانيا وميالا للمسيحية والبهائية والبوذية وحتى لليهودية ومتعاطفا مع الشيعة والصوفية. وكانت نجوى مثله. كانت اقرب الى ان تكون تلميذته فى ذلك وكان الكتاب المقدس للجيب لا يفارقهما. وكانا يقرآن لكبار دعاة العلمانية والتنوير فى مصر والشرق الاوسط مثل طه حسين وسعد زغلول واحمد لطفى السيد وقاسم امين وسلامة موسى ويقرآن عن اتاتورك ودعاة العلمانية والتنوير فى الغرب مثل سبينوزا وتوماس جيفرسون وجون لوك وفولتير وروبرت انجرسول ودنيس ديدرو وجيمس ماديسون وتوماس بين وبرتراند راسيل ومبادئ الثورة الفرنسية الثلاثة وحقوق الانسان الاممية الغربية والعالمية. وقد ثبتت صحة توجهات أحمد ونجوى لاحقا فى عهد السادات وجرائمه ودعمه للافغان العرب وللسعودية وللاخوان والازهر والتعصب الاسلامى، كما ثبتت فى الثورة الاسلامية المتطرفة فى ايران، وانهيار الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفيتى بدعم امريكى وخليجى وانتعاش الراسمالية والتعصب الاسلامى نتيجة لذلك، وكذلك فى احداث وكارثة الربيع العربى 2011 الذى قضى على اخر اثر للتنوير والحريات والعلمانية فى جمهوريات الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وفتح الباب امام قيام والسماح بالاحزاب الاسلامية بعدما كانت محظورة.

ودع احمد نجوى وصعدت تطقطق بكعبها العالى الابيض الكلاسيكى الى منزلها. شغلت له بعض البلوفرات وخاطت له بعض البيجامات. وجلست ترتدى بيجامتها واخذت امها تكتب لها احيانا وتشير احيانا اخرى: انتى متأكدة انك هتكونى سعيدة مع احمد يا بنتى. وهل هيستحمل انك خرسا. ... اشارت نجوى. يا ماما احنا بنحب بعض جدا. واحمد بيحبنى وعمره ما اشتكى من خرسى. وانا قلت له كتير انت تستاهل واحدة احسن منى وازاى هتستحملنى كان دايما بيزعل من كلامى. ويرفض نهائى انى ابعده عنى. لزقة بغرا بقى هاهاها.

وتذكر زير النساء الستينى كيف انتهى الامر بزواجه بنجوى. زوجة حياته وامراة عمره. حتى اليوم. وكم منحته من السعادة الصافية. كم كانت مثيرة وهو يعلمها بلغة الاشارة كل اوضاع الجنس والبورن، التى تمارسها معه بحب. وكيف تكلمه ويكلمها بكلمات جنسية خلال ممارستهما الحب معا بلغة الاشارة.

حكاية العمياء

على ضفاف المتوسط تدور احداث قصتنا عن سلوى. حيث كانت سلوى كفيفة تعمل نصف يوم عند ابيها صانع الساعات والنصف الاخر عند صائغ المجوهرات. فرغم انها كفيفة منذ الصغر الا انها تتمتع بحواس فائقة فى اللمس والتخيل والسمع خصوصا. فتستطيع رسم ملامح او صورة المجوهرات ومعرفة نوع المعدن هل هو ذهب ام ماس ام نحاس ام فضة من خلال احساسها بالحرارة والبرودة فقط. كما تستطيع من خلال السمع ولمس تروس الساعات معرفة عيوبها. اكتسبت هذه المهارات مع الزمن.

كما تعيش الصماء فى عالم من الصمت الكامل الدائم، لم تذق طعم الموسيقى والغناء فى اذنيها، لكنها مرتاحة من الديجيهات والقرآن السعودى وخطب الجمعة، فلم يكن امامها سوى اصقال حواسها وامكاناتها الاخرى من بصر وكتابة ولمس وخيال وتفكير وعقل وشم وذوق ، وتعيش الخرساء لم تسمع فى حياتها صوتها يوما. ولم يعرف لسانها طعم الكلمات والحروف ولا التف ولا دار معبرا عن المعانى، ولا تستطيع التعبير الا بيديها او بالقلم، تعيش سلوى فى عالم من الظلام والليل الدائم وهو الاسوا، لم تر الشمس يوما ولا القمر ولا الليل، لم تتمكن من مشاهدة فيلم او مشاهدة الطبيعة والعالم، تسمع الاحداث والكلمات ولكن لا ترى شيئا، فعليها الاستعانة بخيالها ووصف الاخرين وكلمات الاخرين، يحكون لها ويقصون عليها، وعليها لتسير ان تجعل من يديها مجسات ترسم لعقلها الطريق ومعالمه وعقباته وترسم المائدة والباب والمقعد والسلم وقرب وبعد العربات والاجسام والاشجار. مع الزمن تمكنت من ربط عقلها بيديها وبانفها وباذنها، وحفظت كل تجربة وكل لون طعام وشكله حسب وصف الاخرين لها.

انهن نساء يشبهن بما فرض عليهن من حرمان وقمع لحاسة مهمة من حواسهن يشبهن حالنا بالشرق الاوسط للامراض الاسلامية السنية، فنحن نحيا فى منطقة من النفاق والدكتاتورية العسكرية والاسلامية والانبطاح المسيحى والليبرالى والوفدى والعلمانى والشيوعى للاحزاب الاسلامية وللاخوان والسلفيين والازهر انبطاح يتمثل فى طمس الحقائق ورفض محاربة ومكافحة الاخوانية والسلفية والازهرية والاردوغانية والسعودية بل ورفض انتقاد الاسلام وتوضيح عيوبه وجرائمه وخطاياه ومدح اوباما ومدح اردوغان وتوصيفه على انه علمانى او معتدل او ليبرالى. انهن نساء يشبهننا الى حد بعيد. فنحن قد اعمانا السيسى واحمد الطيب واصمونا واخرسونا بتهمتى خدش الحياء وازدراء الاسلام. بل وحبسونا وهل العمى او الصمم او الخرس الا سجن. الاسلام بمحتوياته من قرآن وفقه وحديث وسيرة اخرسنا واعمانا واصمنا، خدعنا وخدرنا طويلا نحن ابناؤه السابقون. حتى افقنا على نور 2011 والربيع الاسلامى السنى المجرم. الذى كشف كم ان الشعب المصرى صار سلفيا اخوانيا سعوديا حتى العظم. والجيش المصرى بطبيعة الحال خارج من هذا الشعب. هؤلاء النسوة يشبهن الى حد بعيد الشعب المصرى الذى اعماه الاسلام والسيسى والطيب واصمه واخرسه وجعله ارهابيا تكفيريا حدوديا حجابيا سعوديا اخوانيا وسلفيا.

لم تكن سلوى اقل ارادة وعزيمة من نجوى، وكانت تقتدى بطه حسين العظيم. وهيلين كيلر العظيمة. كلتاهما سلوى ونجوى هزمتا الصعاب التى فرضها عليهما الخرس او العمى. اهتمت والد سلوى بها منذ نعومة اظافرها، واهتم بتعليمها كقريناتها تماما. وتعلم لغة برايل من اجلها. وجلب لها كتبا دراسية وادبية وغير دراسية بلغة برايل كما كان يقرأ لها الكتب. وكتب لها بعض الكتب المهمة بلغة برايل. كان ابوه مثقفا ومتنورا وعلمانيا ولادينيا مثل احمد. محبا للفنون والتعليم والعلوم والاداب. لذلك علمها عن رواد التنوير والعلمانية فى الشرق الاوسط وايضا فى الغرب.

التقى أحمد بفتاته هذه فى الثمانينات حين كان فى الاربعين من عمره. مدت سلوى ذراعها امامها تتحسس الطريق والاثاث وهى تسير لتفتح الباب للطارق. وتسأل. مين اللى بيخبط. كان الطارق صاحب البيت ومعه صديقه احمد. كانت سلوى مكحلة جيدا وجميلة العينين والوجه والملامح. وجميلة الجسم ايضا. لاحظ احمد ذلك. حاول احمد ان يساعدها للوصول الى الصالة والجلوس. لكنها ابعدت يده وقالت. انا اعرف بيتى اكتر من اى حد. وبالفعل وصلت بمنتهى السهولة الى مقعدها وجلست ودعتهما الى الجلوس واخذ صاحب البيت يسالها عن احوالها وعن ابيها. كان ابوها فى مشوار قريب. كان صاحب البيت يجمع الايجار فى ذلك اليوم الذى زاره فيه صديقه احمد. وكان ابوها قد جهز لها الايجار احتياطيا. فجلبته ومنحته للرجل. وجلست تفتح رواية قصة مدينتين لديكنز لتقرأ فيها وكانت مكتوبة بطريقة برايل. وجوارها روايتان اخريتان بنفس الطريقة هما الكونت دى مونت كريستو والبؤساء. والكتاب المقدس ايضا. وبعض كتب طه حسين ونزار قبانى. احس احمد انها مثقفة جدا وكان يتاملها وهى تقرأ من قمة رأسها حتى أخمص قدمها. وسألها عن مؤهلها. قالت. أنا ليسانس آثار.. وبكالوريوس فنون جميلة كمان. سر بها كثيرا. وتعجب كيف يمكن لكفيفة أن تحوز شهادة الفنون الجميلة. وكأنها قرأت أفكاره. قالت له. احساسى وخيالى وقراءة ابى لى المناهج ووصفه اللوحات وتحسسى التماثيل كاف جدا لأفهم وأتعلم كأى طالبة عادية أخرى. أخذ يثرثر معها فى الفن والادب والسياسة والعلوم وكانت ترد عليه فى كل شئ بما يشى بفضولها وحبها للعلم واطلاعها الكثير. واستأذن منها صاحب البيت لينصرف. ولكن أحمد قرر البقاء وعدم الذهاب مع صاحب البيت. وطلب من سلوى ان يلقاها فى اى مكان ترغبه ليتكلما اكثر. رفضت اولا. ثم قالت له. اريد ان المس وجهك لاراك. وبالفعل سمح لها ان تلمس وجهه وشعره. قالت. انت وسيم. ومن كلامى معك انت مثقف ايضا. ومتنور وعلمانى مثلى. سأستأذن ابى بلقائك بالخارج. انتظره هو قادم بعد قليل.

وجاء ابوها. حياه احمد. وتكلما لبعض الوقت. ومنح ابنته الاذن. وسارا معا بالصباح فى ميناء الاسكندرية. اخذ احمد يصف لها شكل السفن والبضائع ووجهة قدومها او ذهابها وارهفت السمع لتستمع الى نداءات وصياح البحارة وعمال الميناء واصوات السفن. وتشم رائحة الميناء. ولو امكن تتلمس الصناديق والبضائع. وهى تستند على احمد. الذى يحذرها من انتهاء الرصيف او وجود حجر منزلق تحت قدمها وهكذا. ثم خرجا الى الشاطئ يتمشيان حافيين على الرمال المبتلة بمياه المد. كانت سلوى تشبه الفنانة نورا اخت بوسى كثيرا فى الشعر والقوام والبياض تكاد تكون صورة طبق الاصل منها. اخذت تحكى لاحمد كيف ان استاذها وزملاءها نحتوا لها تماثيل مصغرة لتمثال رمسيس وتماثيل محمود مختار وجاكمارت التى تملا القاهرة والاسكندرية لكى تتحسسها وتراها بعينى عقلها. وكذلك نحتوا لها منحوتات عصر النهضة والاساطير الاغريقية والرومانية.
تمشيا عند قصر المنتزه هى تسمع الامواج وهو يصف لها القصر وجماله باتقانه بالوصف المعروف عنه. وكلمها احمد كثيرا فى كافة المجالات. كان موسوعيا وشخصيته جذابة. وجدها متحررة مؤمنة بالحرية حتى فى الجنس والدين والابداع والفكر مثله تماما. لكنها كانت عذراء وكان الرجل الاول فى حياتها. قررا ممارسة الحب لفترة. وكانا شبه مساكنين فى السر. وبعد عامين قررا الزواج. كانت زوجته الثانية مع الاولى. وقررا ان يعيشا فى فنار. زارت القاهرة معه مرارا والتقت بزوجته الاولى وكان هو الوسيط بينهما لتفهم كل منهما الاخرى. تعلم منها احمد عبر المراقبة والحديث معها صناعة واصلاح الساعات. كما علمته الكثير عن صياغة الذهب والمجوهرات. كانت فى ممارسة الحب تعتمد على حاسة السمع وعلى الخيال واحاسيس جسدها الصرفة دون بصر أى ما يشبه ممارسة الحب للبصيرة لكن فى ظلام حالك مطبق دامس. لكنها ارهف احساسا من المبصرة تشعر باحاسيس اضخم فى كعبة غرامها كعثبها. وتسمع همسات حبيبها احمد وانفاسه ودقات قلبه ولهاثه. تشعر بكل تفصيلة خلال ممارسة الحب معه. وعقلها أكثر حدة ويقظة من المرأة المبصرة. لذلك نشوتها ومتعتها أكبر بكثير من المبصرة. ولكنها كانت تخشى الا تكون ممتعة كما يجب بالنسبة لاحمد. وصرحت له بذلك. لكنه اخبرها انها تمتعه وسيمرنها على كل ما يريد وهى ذكية بما يكفى فى نظره لتستوعب كل ما يريد وقد كان.

كانا يتابعان فى تلك الفترة فترة السكون الثمانيناتية والتسعيناتية فى مصر بعد اغتيال السادات على يد حلفائه الاخوان والسلفيين وتولى نائبه مبارك الذى لم يوقف مسلفة واخونة مصر وسعودتها التى بداها السادات ولم يوقف تدمير القطاع العام وخصخصته ولم يوقف رفع الاسعار ورفع الدعم والقضاء على الناصرية والاشتراكية فى مصر. مما مهد لانتشار الحجاب والنقاب والعباءة الخليجية بشكل وبائى سرطانى فى مصر كما مهد الطريق للثورات الاسلامية السنية الاخوانوسلفية المدعومة اردوغانيا واوباميا وسعوديا وخليجيا المسماة الربيع العربى والتى دمرت اخر بقايا الحريات الغربية والعلمانية فى مصر وليبيا وتونس وسوريا. وفتحت الباب للاحزاب الاسلامية الاخوانية والسلفية وداعميها من الشيوعيين الخونة والليبراليين. وفتحت الباب للمطالبة بعودة فؤاد الى مصر والملكية والقضاء على الجمهورية والناصرية وثورة يوليو 52.

كان احمد يصعد الى كشك القلعة بالقاهرة مع نجوى وسلوى واولاده منهما تحتمس جيسون ونفرتارى أماندا، وخفرع آرام وحتشبسوت مؤابية. ليحكى لهما ولاولاده عن تاريخ القاهرة الفاطمية والايوبية والمملوكية، ليروى لهما مقامات السيوطى وقصة على الزيبق ودليلة.

حكاية ذات الذراع الواحدة او ذات الذراع الصناعية

كانت زبيدة عازفة كمان قديرة رغم انها ذات ذراع واحدة هى اليسرى. كانت أقصرية نوبية جميلة، مجبولة من طين مصر القديمة بمنفها واسكندريتها، فقدت ذراعها فى حادث فى طفولتها. عرفها أحمد فى طيبة، واست.

التقاها احمد فى حفل موسيقى لعازفات الكمان المصريات اقيم بالقاهرة. واعجبته مهارتها بالعزف بكلتا يديها الطبيعية اليسرى والصناعية اليمنى. كان ذلك فى 2013 حين كان أحمد فى الثانية والستين من عمره. بعدما أنهت عزفها وانصرفت وسط تصفيق حاد من الجمهور نهض من مقاعد ومدرجات المتفرجين.

جذبه الفضول ليتبعها فى ردهات العازفات، وغرفهن، فلم يعثر عليها بين المرايا والمقاعد وادوات التجميل والعازفات الجالسات الانيقات بكل غرفة. سأل عنها البواب. فعلم أنها جوالة تتجول فى الشوارع متشردة بلا مأوى. تتنقل من رصيف الى رصيف. ومن ملجأ الى ملجأ. خرج من الحفل مسرعا، ليبحث عنها بسيارته فى الطرق القريبة والمحيطة. حتى وجدها تسير فى زقاق مظلم متفرع من الشارع الرئيسى يبدو انها تعرفه جيدا. فنزل من السيارة بعدما اوقفها فى حذر وسار خلفها فوجدها تبدل ملابسها النظيفة الانيقة، وتسلمها لمحل استئجار ملابس. ثم خرجت من المحل ترتدى ملابس قذرة بالية لطخت بدنها ووجهها بالسواد والتراب لما ارتدتها. كانت ملابسها الحقيقية، اشفق عليها احمد كثيرا. وشرد بذهنه قليلا. ثم افاق من شروده فجأة وقرر ان يذهب اليها ويصطحبها معه لينتشلها من هذا الضياع. لكن اكتشف انها اختفت تماما خلال شروده. ركب السيارة كالمجنون وبحث عنها فى كل مكان ولم يعثر لها على اثر.

فى تلك الليلة لم ينم احمد الا قليلا يفكر فى زبيدة. ظل يفكر كيف يجدها. ظل اياما يفكر حتى اهتدى الى فكرة. قرر استئجار محقق خاص ليبحث عنها ويتحرى. واعلمه باوصافها وصورتها اخذها من مسؤولى الحفل. مرت شهور حتى يئس من العثور عليها ثم فاجأه المحقق الخاص بزيارة بعثت فى نفسه الامل من جديد.قدم له وريقة صغيرة خط فيها المكان الذى تجلس فيه زبيدة. ذهب احمد مسرعا الى المكان. وجدها فى أسمالها البالية ووجهها الملطخ، تجلس وجوارها كمانها الحزين. اشار الى رجاله فخطفوها اختطافا وهى تقاومهم، وتصارع، لكنهم ادخلوها فى السيارة وانطلقوا سريعا. سلمها احمد الى مديرة بيته الثالث الجديد بالقاهرة. لتنظفها وتحممها وتلبسها اجمل الثياب استعدادا للقائه بها وكلامه معها.

جاء فى اليوم التالى وجدها بفستان جميل. تجلس حزينة باكية فى القاعة الواسعة على الاريكة. جلس جوارها وسألها. لماذا تبكين؟ قالت. متى سأرحل من هنا؟ لماذا تختطفوننى؟ قال احمد. لن اؤذيك لا تخافى. لقد شاهدتك فى حفل عازفات الكمان منذ شهور. واعجبنى عزفك. وتتبعتك لكنك اختفيت فجاة. وبحثت عنك شهورا حتى وجدتك. اخبرينى ما قصتك. اليس لك اب او ام او اخوة. قالت. انا يتيمة متشردة منذ الصغر. وعيت على الدنيا هكذا فى الشارع. وتعودت على هذه الحياة. لا اعرف حياة سواها.

نظر احمد الى ذراعها الصناعية وقد صارت نظيفة ولامعة الان. وقال لها. وما قصة ذراعك؟ قالت. وانا العب فى طفولتى اندفعت تجاه القطار وجرى ما جرى. كدت اموت. لكن الرب سلم. انا من الاقصر اصلا ونوبية. او هكذا وعيت على انى اقصرية. قال احمد. ملامحك نوبية وتشى بانك اقصرية فعلا. ولكن لماذا لم تظلى بالاقصر؟ قالت. انا لم ار الاقصر فى حياتى. ولكنى احيا فى القاهرة منذ سنوات طويلة. ومن معى من المشردين وكبار السن فيهم اخبرونى بانى من الاقصر اصلا. سالها. ومن اين تعلمت عزف الكمان. قالت. عطفت على احدى النساء مرتادات معهد الموسيقى حين رأتنى اتاملها وهى تعزف على الكمان. وعرضت على تعليمى العزف. وبالفعل اتقنت العزف على الكمان. سالها. ولكن هل تعلمت فى المدارس او الجامعة ابدا. قالت. لا لم اتعلم. اكاد اكون امية.

قرر احمد ادخالها فى برنامج تعليم وتثقيف مكثف لمدة عام، وقرر الزواج بها بعدها. كانت تلميذة نجيبة علمها فى الميثولوجيا والاديان والعلمانية والتنوير واللادينية حتى اصبحت مثله ومثل زوجتيه نجوى وسلوى.

وانجب من زبيدة بطليموس اسكندر وكليوبترا تسيبورا

الخرساء والعمياء وذات الذراع الصناعية

No comments:

Post a Comment